مقالات

هيرمان… عندما يلتقي التفكير بالتميز.

د. عبير علي بدوي

د. عبير علي بدوي

في بيئات العمل الحديثة لم يعد النجاح يعتمد على مقدار المعرفة وحدها، بل أصبح مرتبطًا بفهم كيف نفكر، وكيف نوظف أنماط التفكير المختلفة في اتخاذ القرار، وحل المشكلات، والابتكار، والعمل الجماعي. ومن أبرز النماذج التي تناولت هذا الجانب مقياس هيرمان لأنماط التفكير (Herrmann Brain Dominance Instrument – HBDI)، الذي يُعد من أكثر الأدوات انتشارًا في مجالات القيادة، والتعليم، والتدريب، وتنمية الموارد البشرية.

استطاع نيد هيرمان أن يدمج بين نظريتين علميتين بارزتين؛ الأولى نظرية العالم روجر سبيري حول تخصص نصفي الدماغ الأيمن والأيسر، والثانية نظرية بول ماكلين حول الدماغ الثلاثي، ليقدم نموذجًا متكاملاً يعرف باسم النموذج الرباعي لهيرمان.

ورغم أن النموذج استُلهم من أبحاث الدماغ، فإنه نموذج رمزي وليس نموذجًا فسيولوجيًا، أي أنه لا يصف التركيب التشريحي للدماغ، وإنما يقدم إطارًا يساعد على فهم تفضيلات الأفراد في التفكير والتعلم والتواصل واتخاذ القرارات.

يقسم هيرمان أنماط التفكير إلى أربع مناطق مترابطة، تمثل أربع طرق رئيسة لعمل العقل، تعمل جميعها معًا لتشكل ما يسمى “الدماغ الكلي” (Whole Brain Thinking). إلا أن معظم الأشخاص يمتلكون منطقة أو أكثر تكون أكثر هيمنة، فتنعكس على أسلوبهم في العمل والتواصل والتعلم.

وتتمثل هذه الأنماط في:

1- النمط التحليلي: يركز على الحقائق، والمنطق، والأرقام، والتحليل الموضوعي.

2- النمط التنظيمي: يهتم بالتخطيط، والتنظيم، والإجراءات، والدقة في التنفيذ.

3- النمط العاطفي أو الإنساني: يركز على العلاقات الإنسانية، والعمل الجماعي، والتواصل، وفهم الآخرين.

4- النمط الإبداعي: يميل إلى الابتكار، والتجديد، واستشراف المستقبل، والتفكير خارج المألوف.

ومن المهم التأكيد على أن مقياس هيرمان ليس اختبارًا يقيس الذكاء أو الكفاءة أو القدرات، وإنما هو مقياس لتفضيلات التفكير. لذلك لا توجد لقطة تفكير أفضل من أخرى، فلكل نمط نقاط قوة، كما أن لكل نمط اعتبارات ينبغي مراعاتها عند أداء المهام المختلفة.

ولهذا السبب ينصح المدربون بعدم اطلاع المشاركين على نتائجهم قبل شرح الفكرة الأساسية للمقياس، حتى لا تُفسر النتائج على أنها حكم على مستوى القدرات، وإنما باعتبارها وصفًا لأسلوب التفكير المفضل.

كما يحرص المختصون على التمييز بين أنماط التفكير وبين الخبرة أو التخصص المهني؛ فقد يمتلك شخصان المؤهل نفسه، لكن تختلف طريقة تفكير كل منهما في معالجة المعلومات واتخاذ القرار.

ومن الملاحظات المهمة التي يؤكدها النموذج أن الوظائف التي تتطلب تركيزًا على مهارات متشابهة غالبًا ما تظهر أنماط تفكير متقاربة لدى شاغليها. فعلى سبيل المثال، تتشابه اللقطات الفكرية لدى الصيدلي، والطيار، ومبرمج الحاسب الآلي، بغض النظر عن ثقافاتهم أو البيئات التي ينتمون إليها، لأن طبيعة أعمالهم تستدعي أنماطًا متقاربة من التفكير.

ويمتد أثر نموذج هيرمان إلى مجالات عديدة، من أبرزها:

• تطوير القيادات وبناء فرق العمل.

• تحسين التواصل بين الأفراد.

• تصميم البرامج التدريبية.

• تنويع استراتيجيات التعليم والتعلم.

• تنمية الإبداع وحل المشكلات.

• اختيار الأدوار المناسبة داخل فرق العمل.

كما يرتبط النموذج ارتباطًا وثيقًا بأنماط التعلم، إذ يميل كل فرد إلى أساليب تعلم تتوافق مع نمط تفكيره المهيمن، مما يساعد المعلمين والمدربين على تصميم خبرات تعليمية أكثر فاعلية تراعي الفروق الفردية.

وفي النهاية، يقدم مقياس هيرمان رسالة مهمة مفادها أن الاختلاف في التفكير ليس مشكلة ينبغي علاجها، بل مصدر قوة ينبغي استثماره. فعندما تدرك المؤسسات أن التنوع في أنماط التفكير يعزز جودة القرارات، ويزيد من الإبداع، ويحسن أداء فرق العمل، فإنها تنتقل من إدارة الأفراد إلى إدارة قدراتهم الفكرية بصورة أكثر احترافية.

فالتميز الحقيقي لا يتحقق عندما يفكر الجميع بالطريقة نفسها، بل عندما تتكامل طرق التفكير المختلفة لتحقيق أفضل النتائج.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬