الذين استهلكتهم الحياة حتى لم يعد يُخيفهم شيء

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
بعض الناس لا يحتاجون إلى الشجاعة لمواجهة الحياة؛ لقد شاهدوا أسوأ ما تستطيع فعله بهم… وبقوا واقفين.
لهذا لا تخيفهم النهايات كثيرًا، ولا تربكهم البدايات، ولا يهزمهم رحيل أحد كما كان يحدث قديمًا. لا لأن قلوبهم ماتت، بل لأنهم ماتوا شعوريًا مرات كثيرة ثم عادوا إلى الحياة وحدهم، حتى اكتشفوا أن الإنسان قادر على النجاة من أشياء كان يظنها يومًا نهايته.
هؤلاء لا تعرفهم من أعمارهم.
قد تجد شابًا يحمل في روحه خبرة رجل عاش مئة سنة، وقد تجد امرأة تبتسم أمام موقف كان كفيلًا قديمًا بأن يسلب نومها أسبوعًا كاملًا.
العمر الحقيقي لا يُقاس بعدد السنوات؛ أحيانًا تقذف الحياة في عام واحد ما يكفي لتعليمك عشرين عامًا.
هناك بشر مخضرمون في مواجهة الحياة.
مرت فوق أرواحهم الفصول الأربعة دفعة واحدة؛ شتاء الفقد، وصيف المواجهة، وخريف السقوط، وربيع البدايات التي جاءت بعد خراب طويل.
تعرضوا لعوامل تعرية نفسية لا تظهر في الصور.
أخذت الأيام منهم دهشتهم الأولى، وسذاجة الثقة المطلقة، والمبالغة في التعلق، والرغبة المستمرة في تفسير كل شيء.
وتعلموا بعد ذلك شيئًا مهمًا جدًا:
ليس كل ما يحدث لك يستحق أن يحدث داخلك.
قد يُسيء إليهم أحد، فيتجاوزون.
قد يخذلهم قريب، فيصمتون.
قد يُساء فهمهم، فلا يركضون خلف الناس حاملين ملفات دفاعهم عن أنفسهم.
وقد يخرج شخص من حياتهم فيفتحون له الباب بهدوء عجيب.
فيظن الآخرون أنهم لا يشعرون.
والحقيقة أنهم يشعرون… لكنهم أصبحوا يعرفون أن الشعور لا يعني دائمًا الاستجابة.
فليس كل استفزاز يستحق ردًا، ولا كل خسارة تستحق حدادًا طويلًا، ولا كل غائب يستحق أن نغلق الحياة في انتظاره.
لقد وصلوا إلى أخطر وأجمل مراحل النضج:
مرحلة أن ترى الشيء بوضوح، وتشعر به كاملًا، ثم تختار ألا تدعه يهدمك.
لهذا أصبح تسامحهم مختلفًا.
لا يسامحون لأن ذاكرتهم ضعيفة، بل لأنهم لم يعودوا مستعدين لدفع فاتورة خطأ ارتكبه شخص آخر.
ما معنى أن يؤذيك إنسان خمس دقائق، ثم تعاقب نفسك بالتفكير فيه خمس سنوات؟
ما معنى أن ينام من ظلمك هادئًا، بينما تحمل أنت محاكمته معك إلى فراشك كل ليلة؟
فهموا المعادلة أخيرًا:
التسامح ليس دائمًا هدية للمسيء؛ أحيانًا هو قرار بإخلاء قلبك من المستأجرين الذين لا يدفعون إلا الألم.
لذلك تراهم خفيفين رغم تاريخهم الثقيل.
لا يختزنون الخصومات، ولا يعدّون عدد المرات التي أخطأ فيها الآخرون، ولا ينتظرون الحياة لتنتقم لهم.
يكفيهم أنهم عرفوا الحقيقة.
وهذه وحدها راحة.
أما اللامبالاة التي بلغوها فلا تشبه البرود.
إنها لامبالاة منتقاة بعناية.
يبالون بصحتهم، براحتهم، بعائلاتهم، بمن يحبهم بصدق، بالأشياء التي تستحق العمر.
ويتوقفون عن المبالاة بالقيل والقال، بتغير المزاج، بمن شاهد الرسالة ولم يرد، بمن رحل دون تفسير، بمن أساء فهم نيتهم، وبكل معركة لا جائزة في نهايتها سوى الإرهاق.
كأنهم أعادوا توزيع ميزانية المشاعر.
خفضوا الإنفاق على العتاب.
أوقفوا تمويل العلاقات المستنزفة.
وأغلقوا مشاريع محاولة إرضاء الجميع.
ثم استثمروا البقية في السلام.
هؤلاء لا تستطيع تهديدهم بسهولة بالرحيل؛ فقد رحل عنهم من كانوا يعتقدون أنهم لن يستطيعوا الحياة دونهم… وعاشوا.
ولا تستطيع إخافتهم بالخسارة؛ فقد خسروا أشياء كثيرة واكتشفوا لاحقًا أن بعض الخسائر كانت إنقاذًا متنكرًا.
ولا تستطيع كسرهم بكلمة؛ فقد سمعوا من الحياة خطابات أقسى من كلام البشر.
ولا يغريهم كل بريق؛ لأنهم عرفوا أن بعض الأشياء الجميلة من الخارج تحمل وراءها فواتير باهظة.
لذلك أصبحوا بطيئين في الانبهار، بطيئين في التعلق، بطيئين في إصدار الأحكام.
لكنهم إذا أحبوا أحبوا بوعي.
وإذا أعطوا أعطوا دون استعراض.
وإذا رحلوا… نادرًا ما يعودون.
لأنهم لا يغادرون عادة عند أول خطأ، بل بعد أن يستهلكوا كل الأعذار.
وهذه أكثر صفاتهم التي لا يفهمها الآخرون.
يصبرون طويلًا جدًا، ويتجاوزون كثيرًا جدًا، حتى يظن من أمامهم أن قدرتهم على الاحتمال بلا نهاية.
ثم تأتي لحظة هادئة لا صراخ فيها ولا خصام.
لحظة يقول داخلهم:
يكفي.
ومن بعدها قد يبقى الاحترام، ويبقى الدعاء، وتبقى الذكريات الجميلة…
لكن القلب لا يعود إلى مكانه القديم.
فالإنسان المخضرم لا يكره بسهولة، لكنه أيضًا لا يعيد التجربة ذاتها فقط لأنه سامح صاحبها.
يعرف الفرق بين التسامح وإعادة فتح الباب.
وبين الصفح وإلغاء الدرس.
وبين طيبة القلب ومنح الآخرين تصريحًا متكررًا لإيذائه.
الحياة علمتهم أن الحدود ليست قسوة، وأن بعض المسافات رحمة، وأن قول «لا» في الوقت الصحيح قد يحفظ سنوات من التعب.
حتى المصائب تغيّر شكلها أمامهم.
عندما تأتي مشكلة جديدة، لا يقولون: لماذا أنا؟
يسألون:
حسنًا… ماذا علينا أن نفعل الآن؟
وهذه الجملة وحدها تختصر مسافة هائلة من النضج.
فالمبتدئ في الحياة يناقش العاصفة، أما المخضرم فيبحث عن المأوى.
المبتدئ يسأل لماذا تغير الناس، والمخضرم يعدّل المسافة.
المبتدئ يطارد التفسير، والمخضرم يراقب الفعل.
المبتدئ يخشى النهاية، والمخضرم يعرف أن بعض النهايات كانت بداية نجاته.
لقد تساوت لديهم أشياء كثيرة، لكنهم لم يفقدوا قيمة الحياة.
على العكس…
ربما هم أكثر الناس فهمًا لقيمتها.
لهذا لا يريدون إهدار ما تبقى منها في مشاجرات صغيرة، ولا في إثبات وجهة نظر، ولا في مطاردة من قرر الرحيل، ولا في الوقوف أمام أبواب أغلقت نفسها.
يريدون صباحًا هادئًا.
وفنجانًا لا تشاركه الخصومات.
وقلبًا خفيفًا.
وعددًا قليلًا من البشر لا يحتاجون معهم إلى الحذر.
يريدون حياة لا يضطرون فيها إلى التعافي كل ليلة مما حدث لهم نهارًا.
فلا تخطئ في تفسير هدوئهم.
ذلك الشخص الذي يقول لك: «عادي» ربما لم تكن الأشياء دائمًا عادية بالنسبة إليه.
لكن خلف هذه الكلمة تاريخًا كاملًا من المعارك.
وخلف ابتسامته جنازات لأحلام لم يخبر بها أحدًا.
وخلف تسامحه ألف فرصة كان يستطيع فيها الانتقام ولم يفعل.
وخلف عدم اكتراثه قصة إنسان كان يهتم بكل شيء… حتى كاد يفقد نفسه.
ثم تعلم.
تعلم ألا يجعل كل عابر قضية.
ولا كل رحيل مأساة.
ولا كل خسارة نهاية.
ولا كل كلمة سهمًا.
هناك مرحلة يصل إليها بعض البشر بعد رحلة طويلة مع الحياة، لا يصبحون فيها أقسى، بل أصعب كسرًا.
تأتي الريح فلا تقتلعهم.
يمر الجفاف فلا يقتل جذورهم.
تنهال الأمطار فلا تغرقهم.
وتعمل فيهم عوامل التعرية سنوات، فلا تختفي ملامحهم؛ بل تنحت منهم نسخة أكثر ثباتًا ووضوحًا.
هؤلاء لم تنتصر عليهم الحياة، ولم ينتصروا عليها أيضًا.
حدث بينهما شيء أكثر نضجًا:
تصالحوا معها.
عرفوا أنها ستعطي وتأخذ، تجمع وتفرق، ترفع وتخفض، تفتح بابًا وتغلق آخر، وأن محاولة إجبارها على السير وفق رغباتنا معركة خاسرة.
فتركوا لها تقلباتها…
واحتفظوا لأنفسهم بشيء واحد:
ألا تتقلب أرواحهم مع كل ما يتقلب حولهم.
وهنا تحديدًا يصل الإنسان إلى ذلك السلام الذي يخطئ الآخرون فيسَمُّونه لامبالاة.
وما هو بلامبالاة…
إنه إنسان رأى من الحياة ما يكفي، حتى لم يعد مستعدًا لأن يموت في كل مرة وهي مستمرة.




