ترشيد المياه والحد من الإسراف

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ؛ وعلى آله وصحبه ، ثمَّ أمَّا بعد :
معاشر القراء الكرام : اعرفوا نعم الله عليكم ، ومنها نعمة الماء ؛ والذي هو عصب الحياة ، وسر وجودها ، قال الله تعالى : – وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ – الأنبياء : 30 وقال تعالى : – هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفـكَّرُونَ – وقال تعالى : – قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ – فاشكروا الله معاشر القراء على نعمة المياه وغيرها في بلادنا السعودية ، ثمَّ اشكروا ولاة أمرنا رحم الله من مات منهم ، وحفظ من بقي على تسببهم في استخراج هذه النعم في بلادنا ، واستدامتها بيننا ؛ وقد حرمها كثيرٌ من الناس في بلدانهم ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : – لايشكر الله من لايشكر الناس – رواه أبو داود في سننه ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم 4811 ، وإنَّ من شكر الله تعالى على نعمة المياه أن نحسن استخدامها فيما ينفع ولا يضر ، وأن نصونها من الهدر ، والإسراف ؛ لضمان استدامتها بين أيدينا ، وصدق الله تعالى إذ يقول : – وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ – الرعد : 7 – .
معاشر القراء : احذروا كلَّ الحذر من هدر المياه ، والإسراف فيها ، وخصوصاً في دورات المياه في المساكن ، والمساجد ، وفي المرافق العامة ، والخاصة ، والدوائر الحكومية ، وغيرها ، ووجوب صيانتها بين وقتٍ وآخر ؛ ووجوب ترشيد الاستهلاك فيها واجبٌ ديني ، وأخلاقي ، يمنعنا من التعدي عليها بإسرافٍ أو تبذير : كيف وقد قال الله تعالى : – وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ وَكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً – الإسراء : 17 -18 وقال صلى الله عليه وسلم : – كُلُوا ، وَاشْرَبُوا ، وَتَصَدَّقُوا ، وَالْبَسُوا مَا لم يُخالطْ إِسْرَافٌ وَلَا مَخِيلَةٌ – رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وغيره وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح برقم 4381 .
معاشر القراء : لقد رغبتنا شريعتنا الإسلامية الغراء في ترشيد الاستهلاك للمياه ، وحذرتنا من التبذير فيها ، وقد كان من هديه صلى الله عليه وسلم الاقتصاد ، وعدم التبذير في المياه وغيرها ؛ سواءً كان ذلك في الطهارة أو غيرها ؛ وقد جاء في الحديث المتفق عليه أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم : – كان يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ ، وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ – متفق عليه ، وجاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما : – أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ بسعد وهو يتوضأ ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : ما هذا السَّرف يا سعد ؟! قال : أفي الوضوء سرفٌ ؟! قال : نَعَم ، وإن كنتَ على نهرٍ جارٍ – رواه الإمام أحمد في مسنده ، وحسَّنه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم 3292 .
معاشر القراء : كلُّ ما سقته لكم من النصوص الشرعية ؛ لتدل دلالةً واضحةً على وجوب الاهتمام بالماء ، ووجوب الاقتصاد في استعماله ، وإن توفر الماء بين أيدينا كمَّاً وكيفاً لا يبرر الإسراف أو التبذير فيه مهما يكن ، فحافظوا على نعمة المياه في بلادنا ، فإنَّ النعم لا تدوم ، نسأل الله أن يوزعنا شكر نعمته ، ونعوذ به من زوالها .
معاشر القراء : إنَّ علينا مسؤوليةً عظمى أفراداً وجماعاتٍ للحد من ظاهرة الإسراف في المياه وغيرها مما أنعم الله به علينا في هذه البلاد المباركة ، وترسيخ مبدأ الوعي الديني في نفوسنا ، ونفوس من أحبنا من أهلينا ومجتمعاتنا ؛ للمحافظة على الماء وموارده العامة والخاصة ، ووجوب العناية بترشيد الاستهلاك للمياه في مساجدنا ، ومنازلنا ، وغيرها ، وصونها من الإسراف والهدر فيها ؛ وتربية أنفسنا ، ومن تحت أيدينا على ذلك ، امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم : – كلكم راعٍ ، وكلكم مسؤولٌ عن رعيته – رواه البخاري ومسلم ، والله نسأل صلاح أنفسنا واستقامتها ، وأن يديم علينا نعمه الظاهرة والباطنة ، وأن يعيننا وإياكم على ذكره ، وشكره ، وحسن عبادته ؛ اللهم أعزنا بطاعتك ، واغفر ذنوبنا برحمتك ، وأدخلنا جنتك بفضلك ومَنِّتك علينا ، ونجنا من نارك بحلمك ومغفرتك ؛ يا حليم يا رحيم ؛ اللَّهُمَّ آمين .




