مقالات

موت وقصص

بقلم : د.لينة بنت حسن عزوز

بقلم : د.لينة بنت حسن عزوز

خلال الأسابيع المنصرمة الماضية ذهب أربعة نساء ممن تربطنا بهم وشائج المعرفة والرحم والجوار إلى الله،كل واحدة في أجل معلوم مختلفة، بحكاية مدهشة، وسرد عميق مهيب، وفي مجالس التعزية جلّلتنا ملّاءات داكنة، واجتوانا الشجن، وحاصرنا الحزن، وخيّم الأنين على سرادق العزاء، كانت القلوب مولعة بألم ممضّ وأعيننا تنضحان بالدمع، وكل قريب لهم عاد أسوان حزين، ولوعته كامنة في أطواء قلبه.

ذهبوا إلى الله في مشوار طويل .. طويل جداً .. معلوم الوجهة حيث البرزخ، مجهول الكُنه حيث التفاصيل التي طويت في علم الغيب، ذهبوا بلا إياب، ودون رجعة، تركوا مشترياتهم وممتلكاتهم، خرجوا من ديارهم ورياشهم ولباسهم وأموالهم وأبنائهم، أفل نجمهم، ومحي اسمهم من قاموس الأحياء، أسلموا جنوبهم للمضاجع الأبدية، توسّدوا الخلود، وولجوا إلى حياةٍ أخرى لايعرفها الأحياء ، ولم يجربها الأحياء، ولا يتخيّلها الأحياء، ولن يعيشها الأحياء،توقف الركض، وأمسكوا عن المضيّ، ورفعت صحائفهم إلى السماء، اختفى الاسم والشكل والجسد ورفرفت الروح نحو المنتهى، حيث من مات فقد قامت قيامته، ووريت أجسادهم الثرى، أصبحت المسافات بينهم أكبر من مقاييس الذهن البشري، لكن ذكراهم في قلوب الأحبة أعز وأبقى، وما يملكون لهم إلا الدعاء الصادق النفيس ..

وفي أعقاب ذلك أُذكر نفسي وإياك قائلة: إن الموت على قيدٍ منك، لاريب في ذلك فكل نفس ذائقته، وكل من عليها فان، وقد مات محمد صلى الله عليه وسلم فماتصنع بالحياة بعده!؛ فقُم لتمت على ما مات عليه، ابدء بصوغ متين للدين في جوانحك، استدعِ مكونات الشريعة في قاع عقلك، حرّك كوامن الشهادة في سويداء فؤادك، هىّء للصلاة القسط الأوفى من الاهتمام والعناية فهي الركن الشديد ومنفذ العبور الأول في الأجداث وأول ما يحاسب عليه العبد، اجعل علاقتك بها فيّاضة قوية، انطلق من خلالها نحو الكمالات الوضيئة، غذّ جوارحك بالقرآن اعقد صفقة طويلة الأمد والأثر مع كتاب الله، استحدث مساحة خلابة في الروح للصحبة الجزيلة مع كلام الله، كون تناغماً عالياً أليفاً مع مصدر القوة والنجع والبركة، التمس مواطن رضا لله في مناكب الأرض، قلّل من الاشتباكات البشرية والنزاعات والخصومات، عامل الناس بالبرّوالإحسان،انشغل بالسماء ذرِ الدنيا والحطام، لتصل إلى مستوى فردوسياً متلألئاً.

اللهم وفقنا لما يرضيك، وصِل حبالنا بطاعتك، وارحم الذين سبقونا إليك، ونور مرقدهم وأسبغ عليهم رضوانك واعف عنهم وأهطل عليهم زخّات لطفك وخص منهم أبي الحبيب وأختي الغالية، واجعل ما أصابهم كفارة ورحمة، واجعلنا وأزواجنا وذرياتنتا من الذين تنجيهم بمفازتهم، والذين لا يمسهم السوء ولاهم يحزنون، واجعلنا ممن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن، وأكرمنا بسعي مشكور وذنب مغفور، واجمعنا في دار كرامتك .. والحمد لله رب العالمين .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬