مقالات

ضجيج لا يسمعه أحد

بقلم الكاتبة: د. سوسن توفيق حنفي 

بقلم الكاتبة: د. سوسن توفيق حنفي 

ثمّة أصواتٌ لا تحتاج إلى حناجر لتظهر، ولا إلى آذان لتُسمع. تولد في موضعٍ غامض من الإنسان، في تلك البقعة المستترة بين العقل والذاكرة، وبين الحقيقة وما نتوهّمه حقيقة، وبين ما نعرفه عن أنفسنا وما نخشى أن نعرفه.

ولعلّنا لا نسمع هذه الأصوات بوضوحٍ إلا حين نكون وحدنا.

فما أن ينفضَّ الناس من حولنا، وتُغلق الأبواب، ويخفت صخب النهار، حتى نكتشف أن الصمت ليس خلوًّا من الأصوات، بل امتلاءٌ بأصواتٍ من نوع آخر. ذكرى حسبنا أننا تجاوزناها، وسؤال أجّلنا جوابه طويلًا، وندمٌ ظننّاه مات، وخوفٌ أحسنّا إخفاءه عن الناس ولم نحسن إخفاءه عن أنفسنا.

وربما لا يعرف الإنسان مقدار ما يسكنه من ضجيج حتى يصمت العالم من حوله.

وقد رأيت في غرف الطوارئ من غرائب العقل البشري ما جعلني أتأمل طويلًا في معنى أن يسمع الإنسان

ما لا يسمعه سواه، وأن يؤمن بحقيقةٍ لا يشاطره فيها أحد.

رأيت مريضًا يوقن أنه نبيُّ الأمة. لم يكن يروي احتمالًا، ولم يكن في صوته ارتياب، بل كان يتحدث بيقين من يخبرك عن اسمه. كنت أنظر إليه فأرى مريضًا أمامي، بينما كان هو ينظر إلى نفسه فيرى صاحب رسالة. كنا في الغرفة ذاتها، لكننا على نحوٍ ما لم نكن في العالم ذاته.

ورأيت آخر يصغي إلى صوتٍ يقول أنه يأتيه من المستقبل، يناديه أن يتقدّم، ويخبره بأن شأنًا عظيمًا ينتظره هناك. كنت أراه جالسًا أمامي في حاضرٍ محدود بأربعة جدران، بينما كان هو واقفًا على تخوم غدٍ لا أراه، منصتًا إلى زمنٍ لم يأتِ بعد.

وجاءني من يرى نفسه في هيئة حيوان، لا استعارةً ولا خيالًا عابرًا، بل يقينًا استولى على إدراكه. يرى ذاته كذلك، ويسمع صوته كصوت ذلك الحيوان. يومها خطر لي سؤال ظل طويلًا في ذهني: ما الذي يجعل الإنسان هو الإنسان في عين نفسه؟ أهو جسده؟ اسمه؟ ذاكرته؟ أم تلك الصورة الباطنة التي يرسمها العقل لصاحبه، فإذا اختلّت الصورة تبدّل معها العالم كله؟

تلك المشاهد لا تبعث في نفسي غرابةً بقدر ما تبعث رهبة.

فالعقل الذي نثق به كل صباح ليخبرنا من نحن، وأين نحن، وما الذي يجري حولنا، هو ذاته الذي قد يعيد في المرض بناء العالم على هيئة أخرى. وما نسميه نحن وهمًا قد يكون في وجدان صاحبه أشد رسوخًا من حقائقنا جميعًا.

لكن المرضى ليسوا وحدهم من تسكنهم الأصوات!

فنحن أيضًا لنا ضجيجنا الخفي، وإن اختلفت طبيعته.

كم من إنسانٍ وضع رأسه على وسادته يريد النوم، فإذا بعقله يفتح دفاتر أغلقها النهار. كلمةٌ قالها منذ أعوام، وموقف كان ينبغي أن يتصرف فيه على نحو آخر، ووجهٌ غاب وبقي صوته، وفرصةٌ أفلتت، وخوفٌ من غدٍ لم يقع. وقد يعيد العقل حوارًا قديمًا للمرة الألف، ويمنحنا في كل مرة إجابةً كان ينبغي أن نقولها ولم نقلها.

وكأن الليل حين يُسكت ضجيج العالم، يرفع أصواتنا الداخلية. ولعل المتنبي أحسن تصوير ذلك السهاد حين قال:

أَرَقٌ عَلى أَرَقٍ وَمِثلي يَأرَقُ

وَجَوىً يَزيدُ وَعَبرَةٌ تَتَرَقرَقُ

جُهدُ الصَبابَةِ أَن تَكونَ كَما أَرى

عَينٌ مُسَهَّدَةٌ وَقَلبٌ يَخفِقُ

وإن كان سهاد المتنبي سهادَ صبابةٍ ووجد، فإن للأرق في كل نفسٍ حكايته. فكم من عينٍ سهّدها حب، وأخرى أقلقها خوف، وثالثة أيقظتها ذكرى، ورابعة لم يمنعها من النوم شيءٌ سوى ازدحامها بنفسها.

فالليلُ واحدٌ، بيد أنَّ في جوفه أصواتًا خفيّةً شتّى. لكلِّ نفسٍ صوتُها، ولكلِّ سهادٍ حكايته.

وقبيل النوم، حين يبدأ الجسد المتعب انسحابه الهادئ من اليقظة ويبقى الوعي معلّقًا قليلًا على حافتها، تتداخل الصور والعبارات والذكريات، كأن العقل لا يغلق أبواب اليوم دفعةً واحدة، بل يتركها مُجافاةً لتعبر منها أصداء ما عشناه، وما أخفيناه، وما لم نمنحه في زحام اليوم حقَّه من التفكير.

أما في ساعات التأمل، فللصوت الداخلي شأنٌ آخر.

هناك يسألنا ما لا يجرؤ الناس على سؤالنا عنه: أهذه الحياة التي أردتها حقًا؟ أمضيتُ في هذا الطريق اختيارًا أم اعتيادًا؟ أأنا بخير فعلًا، أم أنني أتقنتُ أداء دور الإنسان الذي يبدو بخير؟

ولهذا لست أرى الوحدة دائمًا وحشة.

فالإنسان الممتلئ بنفسه، الغني بعالمه الداخلي، لا يخشى أن يجلس وحده. بل ربما التمس العزلة أحيانًا كما يلتمس المرء نافذةً يدخل منها الهواء. لا لأنه يكره الناس أو استغنى عن مودتهم، بل لأنه يعرف أن للنفس حقًّا في أن تُجالس صاحبها بعيدًا عن ضجيج الآخرين.

في العزلة الخصبة يستقرئ الإنسان نفسه، ويقلّب صفحاتها التي لا يراها أحد، ويحاسبها دون محكمة، ويسألها دون شهود: أين أخطأت؟ ماذا أريد؟ ما الذي تغيّر فيَّ؟ وما الذي أزعمه أمام الناس ولا أصدقه حين أخلو بنفسي؟

وهذه لعلها من أرقى صور المعرفة: أن يصبح الإنسان قادرًا على مجالسة ذاته دون أن يضجر منها، وعلى محاسبتها دون أن يجلدها، وعلى اكتشاف عيوبها دون أن يبغضها.

فالخلوة بالنفس ليست دائمًا وحدة. قد تكون لقاءً فريدًا جميلًا .

وعلى الضفة الأخرى، ثمة من يهرب من نفسه إلى الناس، يملأ يومه بالمواعيد، وليله بالسمر والأحاديث ، وصمته بالشاشات، وفراغه بأي ضجيج متاح. لا لأن صحبة الآخرين ضرورة دائمة، بل لأن سقوط الأصوات الخارجية يعني ارتفاع صوتٍ داخلي لا يريد سماعه.

وما أقسى أن يصبح المرء غريبًا عن نفسه إلى هذا الحد، أن يحتاج دائمًا إلى أحدٍ يحول بينه وبين ذاته، وأن يخشى الغرفة الخالية لأنها ستجمعه بنفسه، وأن يفرّ من الصمت لأن الصمت سيقول له ما ظل يؤجل سماعه.

وهنا يبلغ الألم النفسي صورةً شديدة القسوة، أن تهرب النفس من النفس.

فإلى أين يمضي الإنسان إذا كان الذي يطارده يسكن داخله؟

قد يغيّر مدينةً أو عملًا أو رفقةً، وقد يملأ حياته بالوجوه والأسفار والمشاغل، لكنه يحمل معه في كل رحلاته ذلك الراكب الصامت الذي لا ينزل في محطة (نفسه).

ومع ذلك، ليست كل عزلةٍ حكمة، ولا كل صوتٍ داخلي بصيرة. قد تستحيل العزلة إلى اجترارٍ للألم، وليس كل ما يقوله لنا عقلنا حقيقة، كما أن ليس كل خوفٍ حدسًا، ولا كل رغبةٍ نداءً ينبغي اتباعه. الحكمة أن نتعلم التمييز بين صوتٍ يكشفنا، وصوتٍ يخيفنا، وصوتٍ يخدعنا، وصوتٍ ينشأ من ألمٍ يحتاج إلى يدٍ تمتد إليه من خارج ذلك العالم المغلق.

لقد جعلتني الطوارئ أنظر إلى الدماغ البشري بكثيرٍ من الهيبة.

ما أعجب هذا الكيان المستتر خلف عظم الجمجمة! تختزن فيه طفولةٌ كاملة، ووجوهٌ غابت، وروائح أماكن اندثرت، وخوفٌ لا نعرف متى بدأ، وحبٌّ قد ننسى حكايته ولا ننسى أثره

وأفكر أحيانًا في مرضى الخرف الذين رأيتهم، لا بد أن في دواخلهم أيضًا حديثًا يجري، وأفكارًا ومشاعر تتولد، وإن عجز بعضهم عن جمع شتاتها في حكاية، أو ربط الفكرة بزمانها، والوجه باسمه، والشعور بحادثته. قد تضيع أسماءٌ وتبقى ألفة، وتتبعثر الحكاية ويبقى شيءٌ من أثرها في النفس. وكم رأيت مريضًا نسي اسم ابنه، ثم اطمأن حين أمسك الابن يده، نسي الاسم، ولم ينسَ الأُنس.

وهنا يزداد السؤال تعقيدًا: أين تنتهي الذاكرة وأين تبدأ النفس؟ وكم من ذواتنا تصنعه ذكرياتنا؟ وماذا يبقى من الإنسان حين تبدأ تلك الذكريات بالتناثر؟

فالذاكرة ليست خزانةً نضع فيها أحداث العمر ثم نستخرجها متى شئنا. إنها خيوطٌ دقيقة متشابكة تشارك في نسج إحساسنا بأنفسنا وبالزمن وبالآخرين. وحين تنقطع بعض هذه الخيوط، لا يختفي النسيج كله، وإن اضطربت بعض نقوشه.

فالدماغ يحمل الذاكرة، والذاكرة تشارك في تشكيل النفس، والنفس تقرأ العالم من خلالها، ثم تبقى الروح، في معناها الأعمق، ذلك السر الذي يجعل الإنسان أكبر من مجموع ما يستطيع أن يتذكره أو يقوله.

وما أعجب هذا الدماغ. يستطيع أن يملأ غرفةً خاليةً بأشخاص لا نراهم، وأن يستدعي مستقبلًا لم يأتِ، وأن يعيد حاضرًا مضى منذ خمسين عامًا، وأن يجعل وجهًا مألوفًا غريبًا، أو يترك الألفة باقيةً بعد أن يضيع الاسم. يحمل داخل حيّزه الصغير عمرًا بأكمله، ثم يجعلنا نظن أن العالم الذي نراه خارجنا منفصلٌ تمامًا عن العالم الذي يبنيه داخلنا.

ولعل الفارق بيننا ليس أن في بعضنا أصواتًا وفي بعضنا صمتًا. فلا يكاد أحد يخلو من حديثٍ داخلي. إنما نختلف في الأصوات التي تسكننا، وفي مقدار سلطانها علينا، وفي قدرتنا على أن نسمعها دون أن نصبح أسرى لها.

ففي داخل كل إنسان مجلسٌ لا ينفضّ. ذاكرةٌ تتكلم، وخوفٌ يعترض، ورغبةٌ تلحّ، وندمٌ يستأنف قضيةً قديمة، وأملٌ يفتح نافذة، وعقلٌ يحاول بين هؤلاء جميعًا أن يعرف أين الحقيقة ويمكنها.

وربما كان النضج أن نعرف كيف نجلس وسط هذا المجلس دون أن نطرد الجميع، ودون أن نسلّم القيادة لأحدهم.

أن نألف أنفسنا حتى لا نحتاج إلى الفرار منها، وأن نحب الناس دون أن نتخذهم مخبأً من ذواتنا، وأن نستطيع حين يخفت العالم من حولنا أن نجلس في الغرفة الخالية فلا نشعر بأننا تُركنا وحدنا، بل بأننا عدنا أخيرًا إلى أنفسنا.

ولهذا ربما ليست الوحشة أن لا تجد أحدًا حولك، بل أن تجد نفسك معك ولا تطيق صحبتها.

وليست ذروة الطمأنينة أن يسكت كل شيء في داخلك، بل أن تتكلم أصواتك جميعًا، ثم تعرف بينها صوتك.

وعندها ينكشف السؤال الذي ربما نقضي أعمارنا كلها نحاول الإجابة عنه:إذا صمتت أصوات العالم كلُّها،

فمن الذي يتكلم في داخلي؟

وهل أعرفه حقًا؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬