مقالات

ستار المظاهر

بقلم الكاتبه : رجاء الطويل

بقلم الكاتبه : رجاء الطويل

‏حين يتحول الإنسان من صاحب قرار إلى مجرد ممثل ينفذ سيناريو فرضه الآخرون ،خوفا من كلامهم ،أو رغبة منه في وجاهه اجتماعية مزيفة .

‏في مسرح الحياة المعاصر رُفع الستار عن مشهد من أغرب المشاهد: إنسان يطحن نفسه في العمل ليل نهار ليجمع مالاً ثم ينفقه في ليلة واحدة على أشخاص قد يكون لا يحبهم أو لا يعرفهم ليثير إعجابهم بأشياء لا يملك كل ثمنها‏.

إنه ليس مشهد عبثي، بل واقع مرير لظاهرة البذخ بحجة العادات المجتمعية، ويجب أن نؤدي أدوارنا الإجباريه خوفا من الجمهور لأنه يراقب ويحكم.

‏مناسباتنا الإجتماعية من أفراح ،ومآتم ،وولائم ،وتخرج، (قد تطول القائمة لأننا أصبحنا نستحدث مناسبات ونقيم لها الحفلات كأننا نبحث عن سبب للسعادة والبهجة ،المهم ليس هذا محور مقالنا اليوم).

‏هي عمل استعراضي ضخم يقاس فيه قدر الإنسان بقدر ما ينفقه.

‏ ولتفكيك هذه الظاهرة لابد من النظر إليها عبر عدسة خماسية الأبعاد.

البعد الإجتماعي(كلام الناس)

‏يعيش الفرد في مجتمع (دكتاتوري)تحت مسمى العادات والتقاليد، مجتمع يفرض شروطه ،والفرد لا يملك خيار أن يكون بسيط وغير متكلف ،وإن فعل يكون قد خرج عن النص، وخروجه يعتبر بخل ،أو قلة أصل ،أو مسكين فقير هنا تظهر الطبقية، وتزداد المنافسة الشرسة، حيث تحاول الطبقات المتوسطة ،والفقيرة مجارات بذخ الطبقة المخملية وذلك بالاستدانة، والاقتراض ،بسبب تقليد أعمى أغرق الأُسر في دوامة الديون من أجل (البرستيج).

البعد الديني

‏ كل الأديان والإسلام بشكل خاص حث على الإعتدال ونهى عن التبذير، والإسراف (ولا تسرفوا)

‏ولكن البعض لا يدرك الفرق بين النصوص الشرعية والممارسات الفعليه، فجعلوا البذخ شريعة تحت مسمى ديني، مثل المبالغة في ولائم العقيقة، أو الإسراف على موائد الإفطار الرمضاني (ولن أتطرق لأزياء أول يوم رمضان).

‏قلبوا المقصد الديني من هذه المناسبات، وحولوا العبادات إلى مواسم للمفاخرة، وهذا يكشف عن خلل بفهم جوهر الدين.

البعد الثقافي

‏في الماضي كانت القيمة الثقافية للمناسبات تكمن في (اللمه)أما اليوم تكمن في (اللقطة).

‏لقد أصبح فستان الزفاف، وقاعة الاحتفال،و بوفيه الطعام وهدايا المعازيم ،(التي لا أعرف لها معنى أو سبب) مادة توثق على وسائل التواصل، ورسالة مفادها (أنا استهلك واستعرض إذا أنا موجود).

مما خلق سباق محموم لانهاية، له وضاعف من حدة المقارنات.

البعد النفسي

‏نفسياً يعكس هذا الإندفاع نحو البذخ حالة من ضعف النفس، وانعدام تقدير الذات، وفقدان الشعور بالأمان الداخلي، فأصبح الإنسان يبحث عن ما ينقصه أو يفتقده، عند الآخرين عن طريق المظاهر المادية ،بالمبالغة في الإنفاق محاولة منه لحماية نفسه من الشعور بالدونية،أو الرفض وحتى لا يكون أقل من أقرانه وأقاربه،وليحصل على لحظة من الثناء أو الإعجاب الزائل.

البعد الفلسفي

‏ جردت هذه الظاهرة الإنسان من حريته ،وحولته إلى ترس في آلة الاستهلاك، فلم يعد يملك خياراته، واختزلت وجوده في المظاهر، وحولت مشاعره إلى سلعة معروضة أمام الجميع ،الخلاصة أصبح (عبد)بكل رضا، وقبول.‏

‏ختاما  

لابد أن يسد الستار على هذا الوهم الإجتماعي الجماعي

‏لأن الاستمرار فيه عبث، والموافقة عليه استنزاف للكرامة قبل المال.

آن الأوان أن نملك الشجاعة لنقول انتهى العرض وأن نحطم لوحات الدعاية البراقة

آن الأوان أن نستعيد بساطة الأشياء ومعناها الحقيقي

هل ستغادر المسرح طواعية أم مازلت مشاركاً في مسرحية لاتنتهي؟

اطرح السؤال على نفسك قبل أي مناسبة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬