مقالات

متى يأتي الأحد؟

بقلم الكاتبة فاطمة عواجي

بقلم الكاتبة فاطمة عواجي

تُروى حكاية رمزية عن طبيب سأل أحد المرضى في مستشفى للأمراض النفسية:

«هل تستطيع أن تخبرني نحن في أي يوم؟»

فأجابه: «اليوم هو السبت».

قال الطبيب: «صحيح، وغدًا ماذا سيكون؟»

قال المريض: «سيكون السبت أيضًا».

تعجّب الطبيب وسأله: «إذا كان اليوم السبت وغدًا السبت أيضًا، فمتى يأتي الأحد؟»

فأجابه بكلمات بدت في ظاهرها غريبة، لكنها حملت معنى أكبر من السؤال نفسه:

«الأحد يأتي عندما يختلف يومٌ عن الأمس، عندما نشعر أننا تقدمنا خطوة إلى الأمام، عندما تكون عدالة اليوم أكثر من عدالة الأمس، وظلم اليوم أقل من ظلم الأمس… عندها فقط سيأتي اليوم الموالي».

وهنا تنتهي الحكاية، لكن يبدأ السؤال الحقيقي: كم مرة مرّ علينا الأحد في التقويم، ولم يأتِ في حياتنا؟

تتغير الأرقام أعلى الصفحات، وتتبدل أسماء الأيام والشهور والسنوات، لكن بعض الناس يظلون واقفين في المكان ذاته؛ يحملون الوجع نفسه، ويكررون الأخطاء نفسها، ويدخلون العلاقات نفسها بالعقلية ذاتها، ويطرقون الأبواب التي أغلقت في وجوههم مرارًا، ثم ينتظرون من الغد نتيجة مختلفة.

فليس كل يوم جديدًا لمجرد أن الشمس أشرقت.

قد يصبح التاريخ جديدًا، بينما الإنسان ما زال يعيش في أمسه.

الأحد الحقيقي هو ذلك اليوم الذي يحدث فيه اختلاف داخلنا.

يأتي عندما نتوقف عن تبرير خطأ عرفنا خطأه، ونترك طريقًا أدركنا أنه لا يقود إلى شيء، ونقول «كفى» لما استنزف أرواحنا طويلًا. يأتي عندما يصبح القرار الذي اتخذناه اليوم أكثر حكمة من قرار الأمس، ويصبح صمتنا في موضعٍ ما أبلغ من جدالنا القديم، ونمنح أنفسنا قدرًا من الرحمة لم نكن نمنحها لها من قبل.

وقد يكون تقدم الإنسان خطوة واحدة فقط، لكنها عند الله وعند نفسه أعظم من مسافات طويلة قطعها وهو يسير في الاتجاه الخاطئ.

عبارة «أن تكون عدالة اليوم أكثر من عدالة الأمس» لا تخص المحاكم وحدها؛ فالعدل يبدأ من داخل الإنسان. أن يعدل مع نفسه فلا يحملها فوق طاقتها، وأن يعدل مع الآخرين فلا يحاكمهم على ظنون، وأن يتعلم من تجاربه فلا يجعل جرحًا قديمًا سببًا لظلم شخص جديد.

أما «أن يكون ظلم اليوم أقل من ظلم الأمس» فهي مدرسة كاملة في النضج. لسنا مطالبين بأن نصبح كاملين بين ليلة وضحاها، وإنما يكفينا أن نقلل أخطاءنا، ونصلح ما أفسدناه، ونكون اليوم أرحم وأوعى وأصدق مما كنا بالأمس.

هناك من يعيش أعوامًا طويلة وهو في «السبت» نفسه؛ ينتظر أن تتبدل الحياة دون أن يغير شيئًا، ويحلم بنتائج جديدة وهو يكرر الأسباب القديمة. والزمن يمضي به، لكن روحه لا تتحرك.

وهناك من يوقظه موقف صغير، أو كلمة عابرة، أو خسارة، أو تجربة موجعة، فيقرر أن يبدأ. قد لا تتغير الدنيا حوله في ذلك الصباح، لكن شيئًا مهمًا يتغير داخله، ومن هناك يبدأ يومه الجديد.

ولهذا لا تسأل دائمًا: ما تاريخ اليوم؟

اسأل نفسك: ماذا تغير فيّ منذ الأمس؟

هل تعلمت شيئًا؟

هل تركت ما يؤذيني؟

هل أصلحت خطأ؟

هل أصبحت أكثر عدلًا وأقل قسوة؟

هل اقتربت خطوة من الإنسان الذي أريد أن أكونه؟

فإذا وجدت في يومك وعيًا أكثر، وخطأً أقل، وقلبًا أهدأ، وقرارًا أنضج، وخطوة حقيقية إلى الأمام؛ فلا يهم ماذا كتب التقويم في أعلى الصفحة.

ذلك هو الأحد.

والمفارقة الجميلة في تلك الحكاية أن الإجابة التي بدت غير منطقية في بدايتها، انتهت إلى حكمة شديدة المنطق: الأيام لا تصبح جديدة بتغير أسمائها، بل بتغيرنا نحن.

فربما تمر علينا مئات الأيام، ولا نعيش منها إلا القليل، وربما تكفينا لحظة واحدة من الوعي لتفتح لنا عمرًا جديدًا.

الأحد لا يأتي دائمًا بعد السبت… أحيانًا يأتي بعد قرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬