الحصة الأخيرة التي لن نحكيها

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
ستظلّ الحياة المدرسة الوحيدة التي لا ننتظر فيها جرسًا يعلن بداية الحصة، ولا نحمل لها جدولًا نعرف منه ماذا سندرس غدًا. لا توزّع علينا الكتب في أول العام، ولا تخبرنا بموعد الاختبار، ولا تمنحنا فرصة الاستعداد قبل أن تضع السؤال أمامنا.
مناهجها مفتوحة على مدار العمر، وحصصها تُدرَّس في كل لحظة؛ في بيت، وفي طريق، وفي عمل، وفي علاقة، وفي فقد، وفي انتظار، وفي موقف عابر قد يغيّر فينا شيئًا لا تغيّره سنوات.
الحياة لا تقول لك: غدًا سندرس الخيانة؛ بل تمنحك ثقتك كاملة لشخص، ثم تتركك تكتشف وحدك لماذا كان ينبغي أن تترك في قلبك مساحة للعقل.
ولا تكتب على السبورة: «درس الأمان»، لكنها قد ترسل إليك إنسانًا تشعر معه أنك لست مضطرًا للدفاع عن نفسك طوال الوقت، فتفهم أن الأمان ليس كلمة تُقال، بل شعور يجعلك على طبيعتك دون خوف.
ستعلّمك الحياة أن تترك مسافة في كل شيء؛ مسافة بين الحب وإلغاء الذات، وبين الطيبة والسذاجة، وبين الثقة والتسليم الكامل، وبين القرب والتعلّق، وبين العطاء واستنزاف النفس. ستفهم يومًا أن المسافات ليست جفاءً دائمًا، بل قد تكون سياجًا يحفظ أجمل ما في العلاقات من الانكسار.
ستعلّمك الخسارة أن بعض الأشياء لا نعرف قيمتها إلا حين تغيب، لكنها ستعلّمك أيضًا أن ما نفقده لا يأخذ معه الحياة كلها.
قد تخسر شخصًا وتبقى.
تخسر مالًا وتبدأ من جديد.
تخسر فرصة فتأتيك أخرى.
تخسر مكانًا ظننته وطنك، ثم تكتشف أن الأوطان أحيانًا أشخاص، وأن الأمان قد يسكن قلبًا لا جدارًا.
ستعلّمك متى تتحدث، ومتى يصبح الصمت أبلغ من ألف كلمة.
في بدايات العمر نظن أن القوة في أن نشرح أنفسنا للجميع، وأن ندافع عن نوايانا، وأن نصحح كل سوء فهم، ثم تكبر فينا التجارب ونعرف أن هناك مواقف لا تستحق مرافعة، وأشخاصًا مهما شرحت لهم سيرونك بالطريقة التي يريدونها.
هناك يأتي درس الصمت… ليس كل صمت ضعفًا، كما أن كل كلام ليس شجاعة.
وقد يكون أعظم انتصار في بعض المواقف أن تعرف الحقيقة، وتملك الرد، ثم تمضي دون أن تقوله.
وستعلّمك الحياة كيف تضحي، لكنها ستعلّمك بعد سنوات أن التضحية التي تهدمك ليست فضيلة، وأن من يحبك حقًا لن يحتاج في كل مرة إلى أن تخسر نفسك حتى تثبت له أنك تحبه.
ستعلّمك أن تكون مهمًا دون أن تتكبر، وأن تحمل همًّا دون أن تتحول إلى همّ على من حولك، وأن تساعد دون أن تمنّ، وأن تعتذر دون أن تشعر أنك انكسرت، وأن تسامح دون أن تضطر إلى إعادة كل من جرحك إلى مكانه القديم.
ستعلّمك الفرق بين أن تغفر وأن تنسى، وبين أن تتجاوز وأن تعود، وبين أن تشتاق وأن تطرق الباب مرة أخرى.
فليست كل مشاعرنا أوامر يجب تنفيذها.
قد تشتاق ولا تعود.
قد تحب ولا تقترب.
قد تسامح ولا تثق كما كنت.وقد تتمنى الخير لإنسان، وأنت تعرف تمامًا أن الخير لك وله أن يبقى كل منكما في طريق.
وستعلّمك الحياة أن بعض الإجابات تأتي متأخرة.
ستقف يومًا أمام موقف قديم وتقول: «الآن فهمت».
تفهم لماذا أُغلق ذلك الباب.
ولماذا ابتعد ذلك الشخص.
ولماذا تأخرت تلك الأمنية.
ولماذا كان لا بد أن تمر بتلك التجربة القاسية.
فالحياة لا تشرح دروسها أثناء وقوعها دائمًا؛ أحيانًا نعيش الألم أولًا، ثم يصلنا المعنى بعد سنوات.
وكل درس تتعلمه ستنقله، بطريقة أو بأخرى، إلى غيرك.
ستحكي خيانتك يومًا لتحذّر شخصًا تحبه.
وستروي خسارتك لتقول لمن خسر إن النهايات ليست دائمًا موتًا.
وستذكر سقوطك لتطمئن من تعثّر أن الوقوف ممكن.
وستحكي نجاحك لتفتح باب أمل.
وستحكي كيف تجاوزت لتخبر مكسورًا أن الأيام لا تبقى على حالها.
حتى الجراح، بعد أن تلتئم، تتحول إلى معرفة.
والألم الذي كان يومًا سرّك قد يصبح يومًا نصيحة تنقذ إنسانًا لا تعرفه.
سنعلّم أبناءنا ما تعلّمناه.
سنحكي لأصدقائنا.
سنكتب.
سننصح.
سنقول: «مررت بهذا قبلك».
سنختصر على آخرين طرقًا أضاعت من أعمارنا سنوات.
كل دروس الحياة تقريبًا يمكن أن نرويها بعد أن نجتازها.
إلا درسًا واحدًا.
سكرات الموت.
ذلك هو الدرس الوحيد الذي سندخله جميعًا، ولن يعود أحد منا إلى مقعده بعده ليخبر الآخرين كيف كان.
لن نخرج من حصته لنقول: تعلمت كذا…
ولن نكتبه في مذكراتنا…
ولن نحكي تفاصيله لأبنائنا في مساء طويل.
هو الامتحان الأخير الذي يُغلق بعده الكتاب.
ولعل هذه الحقيقة وحدها تكفي لأن تغيّر طريقة عيشنا لكل الدروس التي تسبقه.
فما دمنا ما زلنا قادرين على الكلام، فلنقل جميلًا.
وما دمنا قادرين على الاعتذار، فلنعتذر.
وما دمنا قادرين على جبر قلب، فلا نؤجل.
وما دمنا نملك وقتًا، فلا نهدره في خصومات لا تستحق أعمارنا.
وما دمنا أحياء، فلنتعلم أن نعيش قبل أن تأتي الحصة التي لا نعود منها.
فالحياة ليست مدرسة نتخرج منها بشهادة…
نحن نتخرج منها برحيلنا، ويظل أثرنا هو النتيجة الوحيدة التي يقرأها الآخرون بعدنا.




