حين يجبرنا الله دون أن نشعر

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي
نحن لا نعيش أيامنا كما نظن، ولسنا فقط نعبر الساعات من صباحٍ إلى مساء، ولا نمضي بين أعمالنا ومواعيدنا وأحاديثنا العابرة. هناك في العمق شيء آخر يحدث، شيء لا نراه كاملًا ولا نفهمه وقت حدوثه، لكنه يعيد ترتيبنا بهدوء، ويمنح أرواحنا قدرة غريبة على الاستمرار. إنه جبر الله؛ ذلك الجبر الذي ننتظره أحيانًا على هيئة معجزة كبيرة، بينما يأتينا كل يوم في صور صغيرة جدًا؛ ابتسامة لم نخطط لها، كلمة جاءت في وقتها، مكالمة خففت ثقل القلب، طفل أضحكنا ونحن مثقلون، باب أُغلق فصرف عنا شرًا، تأخير أزعجنا ثم اكتشفنا لاحقًا أنه كان رحمة، أو دمعة نزلت فأخرجت من داخلنا شيئًا كان يخنقنا. نحن نُجبر كل يوم، لكننا لا ننتبه.
يمر اليوم الواحد علينا وكأنه ميزان دقيق؛ لحظة فرح تقابلها لحظة حزن، ابتسامة يعقبها تفكير، راحة يتخللها قلق، صحة نشكر الله عليها، ووجع يذكرنا بضعفنا، لقاء يملأ القلب، وغياب يعلّمنا قيمة من بقي. وكأن الأقدار لا تترك القلب في جهة واحدة طويلًا؛ لأن الحياة لو كانت فرحًا دائمًا لما عرفنا قيمة الامتنان، ولو كانت حزنًا دائمًا لانكسرت أرواحنا. فجاءت الأيام مزيجًا عجيبًا من النور والظل، ومن الأخذ والعطاء، حتى نتعلم أن الكمال ليس في أن نملك كل شيء، بل في أن نرى ما منحنا الله وسط ما فقدناه. نحن نضخم أحيانًا ما ينقصنا حتى يحجب عنا ما بين أيدينا؛ نحزن على باب مغلق وننسى أبوابًا كثيرة ما زالت مفتوحة، نبكي على شخص غاب ونغفل عن أناس ما زالوا يحيطون بنا، ونتألم من أمنية تأخرت ولا نلتفت إلى نعم تحقق بعضها دون أن ندعو بها أصلًا.
وهنا تكمن واحدة من أعظم صور الجبر: أن يبقى في حياتك شيء جميل رغم كل ما يؤلمك، أن تمرض ويبقى حولك من يسأل عنك، وأن تفقد شيئًا ويبقى في داخلك إيمان بأن القادم قد يكون أجمل، وأن تُخذل ولا يتحول قلبك إلى حجر، وأن تمر بالألم ثم تظل قادرًا على أن تبتسم في وجه إنسان لا يعرف شيئًا عن معركتك. وما أعظمها من منزلة حين يكون الإنسان موجوعًا ومع ذلك لا يؤذي، وحين يكون محتاجًا للكلمة الطيبة ومع ذلك يمنحها لغيره، وحين يكون في قلبه من التعب ما يكفيه لكنه لا يمر على قلب منكسر دون أن يحاول جبره. ربما لهذا كانت الابتسامة صدقة؛ لأنك لا تعرف إلى أي قلب تصل، ولا تعرف أي حزن قد تخففه كلمة منك، ولا تعرف أن سلامًا بسيطًا أو سؤالًا صادقًا أو مجاملة نقية ربما جاءت لإنسان في اللحظة التي كان يشعر فيها أنه غير مرئي في هذا العالم.
نحن أحيانًا لا نعرف حجم الأثر الذي نصنعه في الآخرين. كلمة تقولها وتنسى أنك قلتها قد تصبح عند شخص آخر جسرًا عبر به يومًا صعبًا، وصدقة صغيرة تراها أنت قليلة قد تكون عند غيرك كثيرًا، ودعوة تقولها لأحد من قلبك قد تفتح له بابًا لا تعرف عنه شيئًا، وربما كان أجمل الجبر أن يستخدمك الله لتجبر قلبًا وأنت نفسك تنتظر الجبر. تلك ليست مصادفة، إنها تربية للأرواح؛ فالابتلاء لا يأتي دائمًا ليعاقبنا، بل قد يأتي ليعلمنا الصبر واللين والرحمة ومعرفة الناس والتواضع أمام ضعف الإنسان. المريض يعرف قيمة العافية بطريقة لا يعرفها الصحيح، ومن ذاق الفقد يعرف معنى البقاء، ومن انتظر طويلًا يعرف قيمة الوصول، ومن انكسر يعرف كيف يمسك بيد المكسور، ومن حُرم يعرف كيف يعطي. وهكذا تروضنا الأقدار، لا بالقسوة، بل بالمعرفة.
كل تجربة تمر بنا تنزع منا شيئًا وتمنحنا شيئًا آخر؛ تأخذ منا سذاجة قديمة وتعطينا بصيرة، تأخذ تعلقًا كان يؤذينا وتعطينا اتزانًا، تأخذ صورة كنا نرسمها للحياة وتعطينا حياة أكثر واقعية وأعمق فهمًا. وحين نقول إن الجبر على قدر الصبر، فنحن لا نقصد أن كل صابر سيأخذ بالضرورة ما كان ينتظره بالحجم والشكل نفسيهما، فقد يكون الجبر أعظم من ذلك؛ قد يكون أن يتغير قلبك حتى لا تعود محتاجًا لما كنت تظنه كل حياتك، أو أن تستيقظ يومًا فتكتشف أن الأمر الذي كان يهزك لم يعد يفعل، أو أن ترى من بعيد شيئًا بكيت عليه طويلًا ثم تبتسم لأنك أخيرًا فهمت لماذا لم يُكتب لك. وقد يكون الجبر أن تصل إلى تلك الطمأنينة التي لا تأتي لأن الدنيا أصبحت مثالية، بل لأنك أصبحت أكثر رضا بفهمك لها.
والتفاؤل الحقيقي ليس أن تنكر الحزن، ولا أن تتظاهر بالقوة كل الوقت، ولا أن تقول: أنا بخير، بينما تنهار في الداخل. التفاؤل أن تسمح لنفسك أن تحزن ثم تؤمن أن الحزن ليس نهاية الطريق، أن تبكي لكنك لا تيأس، أن تتعب لكنك لا تقطع حبل الرجاء، وأن ترى الأبواب مغلقة ومع ذلك يبقى في داخلك يقين أن الله لا تنفد عنده المخارج. والإيجابية ليست ابتسامة دائمة على الوجه، بل موقف داخلي يقول: ربما لا أفهم الآن، لكنني أثق؛ ربما أتألم، لكنني لن أحول ألمي إلى أذى؛ وربما تأخرت أمنيتي، لكنني لن أجعل التأخير يفسد كل النعم الأخرى. وربما كان هذا هو سر بعض الأشخاص الذين نراهم دائمًا يمنحون الآخرين نورًا رغم أن حياتهم لم تكن سهلة؛ هم لم يعيشوا بلا أحزان، لكنهم تعلموا ألا يجعلوا حزنهم هو الشيء الوحيد الذي يرونه، وتعلموا أن في الحياة دائمًا نافذة صغيرة للنور، وأن الإنسان يستطيع أن يختار إلى أين ينظر.
انظر إلى يومك الآن، إلى الأشياء البسيطة التي لم تعد تراها من كثرة اعتيادها. هل فتحت عينيك صباحًا؟ جبر. هل وجدت من يسأل عنك؟ جبر. هل استطعت أن تمشي إلى مكان تحبه؟ جبر. هل ضحكت اليوم ولو للحظة؟ جبر. هل تجاوزت أمرًا كنت تظن يومًا أنك لن تتجاوزه؟ ذلك جبر كبير كنت صغيرًا أمامه، ثم كبرت بسببه. وكم مرة نجانا الله من أشياء لم نعرف عنها شيئًا؟ كم حادثة تأخرت عنها؟ كم إنسان ابتعد قبل أن نرى منه ما يؤذينا أكثر؟ وكم طريق صرفنا الله عنه ونحن نظنه فرصة ضائعة؟ نحن نحسب فقط ما نراه، أما لطف الله فلا يمكن حصره بما نراه؛ فبعض النعم هي ما جاءنا، وبعضها ما لم يأت أصلًا، وبعض الجبر عطية وبعضه منع، بعضه لقاء وبعضه فراق، بعضه إجابة دعاء وبعضه أن يصرف الله عنك ما كنت تدعو به لأنك لم تكن تعرف حقيقته.
وهذه هي المعضلة الجميلة في الأقدار: أننا نفهمها غالبًا بعد أن تنتهي. نقف بعدها ونقول: الآن فهمت؛ الآن عرفت لماذا تأخر هذا، ولماذا رحل ذاك، ولماذا مررت بتلك الأيام، ولماذا لم تُفتح لي تلك الأبواب. وحينها ندرك أن الله لم يكن يعذبنا بالانتظار، بل كان يصنع لنا طريقًا لا نراه. فلا تجعلوا أيامكم تُقاس بعدد ما فقدتم، عدّوا أيضًا ما بقي؛ عدّوا الوجوه التي تحبكم، والأجساد التي ما زالت تقاوم، والقلوب التي ما زالت تؤمن، والبيوت التي تضمكم، واللقم التي لم تفقدوها، والأوقات التي نجوتم فيها دون أن تعرفوا أنكم كنتم على وشك السقوط. كونوا لطفاء، ابتسموا، تصدقوا ولو بالقليل، قولوا الكلمة الجميلة قبل أن يفوت وقتها، واجبروا خاطر من حولكم؛ فالدنيا ممتلئة بقلوب تخفي ما لا يظهر على الوجوه، وربما كنتم أنتم الإجابة لدعاء شخص قال ليلًا: يا رب، أرسل لي ما يخفف عني.
وفي النهاية، لعل أكبر وهم نحمله هو أننا ننتظر جبر الله وكأنه لم يأت بعد. ربما هو معنا منذ البداية، في قدرتنا على النهوض بعد كل سقوط، في بقاء النبض بعد كل خسارة، وفي ذلك الجزء الصغير داخلنا الذي يرفض اليأس مهما ثقلت الأيام، وفي كل مرة ظننا أننا انتهينا ثم لم ننتهِ، وفي كل صباح فتحنا أعيننا بعد ليلة قلنا فيها: لم أعد أحتمل. ربما لم نكن نحن من نجونا بأنفسنا، وربما كنا طوال الوقت محمولين بلطف لا نراه. وحين نصل يومًا إلى نهاية الطريق سنعرف أن كثيرًا مما حسبناه تأخيرًا كان حماية، وأن بعض ما سميناه حرمانًا كان نجاة، وأن أكثر أيامنا قسوة لم تكن خالية من الرحمة كما ظننا. سنفهم أن الله لم يترك في يومنا فراغًا كاملًا من الجبر؛ كان يضعه في التفاصيل الصغيرة كي نستمر، ويضع النور بجانب العتمة كي لا نهلك، ويخبئ خلف كل صبر شيئًا يعيد ترتيب القلب. وفي يوم ما، ربما ننظر إلى حياتنا كلها ونبتسم قائلين: يا الله… كم مرة جبرتني وأنا أظن أنني وحدي.




