إدارة الوقت بالمبادئ وصناعة الأثر

بقلم د.هنيدة قدوري
إدارة الوقت لم تعد تعني إنجاز المزيد من الأعمال في ساعات أقل، ولا أن نعمل بطريقة أسرع فحسب؛ بل أصبحت مفهومًا أعمق يقوم على إدارة الأولويات وفق المبادئ والقيم، وتوجيه الجهد نحو ما يصنع قيمة حقيقية وأثرًا مستدامًا.
وفي كتاب (الأولويات أولى لتعيش وتحب وتتعلم وتترك أثرًا خالدًا) لستيفن كوفي وروجر ميريل وريبيكا ميريل، تبرز فلسفة مهمة يمكن تلخيصها في أن جودة الحياة لا تُقاس بكمية ما ننجزه، وإنما بقدرتنا على أن نعيش، ونحب، ونتعلم، ونترك أثرًا خالدًا، وأوضحت أن إدارة الوقت تمر عبر أربعة أجيال رئيسية:
الجيل الأول: التذكير وتسجيل المهام
ويعتمد على المفكرات وقوائم الأعمال البسيطة، بهدف تذكّر ما ينبغي القيام به وإنجازه.
الجيل الثاني: الاستعداد والتخطيط
وهو جيل أكثر تنظيمًا وتحكمًا، يعتمد على الجداول والمواعيد والمفكرات ووسائل التخطيط المختلفة، بما فيها الأدوات الإلكترونية الحديثة.
الجيل الثالث: الأولويات والتخطيط المنظم
ويركز على تحديد الأهداف والأولويات وربط الوقت بالقيم، مع التخطيط اليومي والأسبوعي وقياس مستوى الإنجاز.
الجيل الرابع: القيادة بالمبادئ وصناعة الأثر
وهو التحول الأهم؛ إذ لا ينظر إلى الوقت بوصفه ساعات يجب ملؤها بالمهام، بل إلى الحياة باعتبارها منظومة من الأدوار والعلاقات والأولويات، ويركز هذا الجيل على القيادة، والتفاعل الخلّاق، والاستثمار في الإنسان، والعمل وفق المبادئ، وبناء الرؤية واللغة المشتركة، وتحقيق التناغم بين مختلف جوانب الحياة.
فالنجاح الحقيقي في إدارة الوقت ليس في عدد الساعات التي عملناها، ولا في كثرة ما أنجزناه، وإنما في قيمة ما أنجزناه، ومن استفاد منه، وما الذي سيبقى منه بعد أن نمضي، وأن ننتقل من الاستجابة للمُلِحّ إلى الاستثمار في المهم، ومن الانشغال بالمهام إلى القيادة بالمبادئ، فإننا لا ندير وقتنا فحسب؛ بل نقود حياتنا، ونصنع قيمتنا، ونبني أثرنا.
ومن هذا المنطلق يمكن تقسيم أنشطة العمل والحياة إلى أربعة مربعات:
المربع الأول مربع الإدارة: أنشطة مهمة ومُلِحّة، مثل الأزمات والمشكلات العاجلة والمواعيد النهائية.
المربع الثاني مربع القيادة: أنشطة مهمة وغير مُلِحّة، مثل التخطيط، والتطوير، وبناء العلاقات، والتعلم، واستثمار الفرص، وصناعة المستقبل.
المربع الثالث مربع الخداع :أنشطة مُلِحّة ولكنها غير مهمة، تستنزف الوقت بسبب شعورنا بأنها تستوجب الاستجابة الفورية رغم محدودية قيمتها الحقيقية.
المربع الرابع مربع الضياع : أنشطة غير مهمة وغير مُلِحّة، تستهلك الوقت دون أن تضيف قيمة حقيقية إلى أهدافنا أو حياتنا.
وتكمن الفعالية الحقيقية في توسيع مساحة المربع الثاني؛ لأنه المساحة التي نصنع فيها المستقبل، ونبني فيها القدرات، ونستثمر في العلاقات من خلال التخطيط الجيد، ثم التنفيذ وفق الأولويات، يلي ذلك التقييم والمراجعة، ثم إعادة التخطيط مستفيدين من الخبرات والنتائج المتراكمة، وتحسين جودة القرارات وفاعليتها.
فالوقت مورد لا يمكن استعادته، وأعظم استثمار له هو أن نضع الأولويات أولًا؛ لنعيش بوعي، ونحب بصدق، ونتعلم باستمرار، ونترك أثرًا يستحق البقاء.




