السريرة… حيث لا يراك إلا الله

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
أعظم ما يصنع الإنسان ليس ما يراه الناس منه، بل ما يعلمه الله عنه.
هناك منطقة خفية في حياة كل واحد منا، لا تصل إليها الكاميرات، ولا تعرفها التقارير، ولا يسمع تفاصيلها أحد. منطقة تسمى السريرة؛ ذلك المكان الذي تسقط فيه الأقنعة، ويصبح الإنسان وحده أمام ضميره وربه. وفي هذه المساحة تحديدًا يظهر صدق الخوف من الله.
الخوف من الله لا يعني أن يعيش الإنسان مرتجفًا من الحياة، بل أن يعيش يقظ القلب؛ يعرف أن كلمة واحدة قد ترفع إنسانًا أو تهدمه، وأن يدًا تستطيع أن تؤذي لكنها تمتنع لله، وأن منصبًا يستطيع صاحبه أن يظلم من خلاله لكنه يعدل لأن هناك ربًا لا تخفى عليه خافية.
فكم من إنسان يبدو صالحًا أمام الآخرين، ثم يصبح شخصًا آخر إذا أُغلقت الأبواب. وكم من شخص لم يعرف الناس حجم خيره، لأن كثيرًا من جميل أفعاله حدث في الخفاء، بينه وبين الله.
وفي الحقيقة، السريرة هي الامتحان الذي لا يمكن تزوير نتيجته.
في البيت مثلًا، يظهر معدن الإنسان الحقيقي. قد يستطيع المرء أن يكون مهذبًا أمام الغرباء، بشوشًا مع زملائه، لطيفًا في المجالس، ثم يعود إلى منزله فيوزع غضبه على أضعف من حوله. وهنا يصبح السؤال مؤلمًا: ما قيمة الصورة الجميلة في الخارج إذا كان أهل البيت يخشون حضورك؟
الخوف من الله يبدأ أحيانًا من نبرة صوت.
أن تكف غضبك عن طفل أخطأ.
أن تراعي قلب زوجة أرهقها اليوم.
أن تحتمل كبيرًا في السن أعاد الحديث للمرة العاشرة.
أن تسمع أبناءك قبل أن تحاكمهم.
أن تعرف أن التربية ليست أوامر وصوتًا مرتفعًا، بل أمان وقدوة ورحمة.
الطفل الذي نربيه بالخوف منا قد يطيع أمام أعيننا، لكنه لن يتعلم مراقبة الله. أما الطفل الذي يتعلم الصدق والرحمة والمسؤولية، فينشأ وهو يعرف أن الرقابة الحقيقية لا تنتهي بخروج الأب أو الأم من الغرفة.
وفي العمل، يصبح الخوف من الله أكثر وضوحًا.
هناك معاملات لا تتكلم.
وموظفون لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم.
وطلبات قد تتأخر بسبب مزاج شخص.
وفرص قد تُمنح بالمحاباة.
وكلمات قد ترفع موظفًا أو تدمر سنوات من عطائه.
هنا تحديدًا يصبح الإيمان سلوكًا إداريًا.
أن تخاف الله يعني ألا تستغل توقيعك لتنتقم. وألا تجعل صلاحيتك أداة للضغط. وألا تحجب فرصة لأنك لا تحب صاحبها. وألا تنسب نجاح غيرك إلى نفسك. وألا تختار الصمت أمام ظلم تستطيع إيقافه.
فالمنصب لا يكشف قوة الإنسان بقدر ما يكشف سريرته.
بعض الناس إذا امتلك السلطة ظهر ما كان يخفيه قلبه؛ فإن كان رحيمًا زاده المنصب رحمة، وإن كان منصفًا زاده عدلًا، وإن كان يحمل شيئًا من الظلم وجد في الصلاحيات فرصة ليظهره.
وما أخطر أن ينسى الإنسان أن كل توقيع له شاهد، وكل قرار له أثر، وكل مظلوم قد لا يستطيع الوصول إليه، لكنه يستطيع أن يرفع أمره إلى الله.
وفي التعامل مع الضعفاء تتجلى حقيقة الخشية أكثر.
اليتيم، والمسكين، والمحتاج، والعامل البسيط، والمراجع الذي لا يملك واسطة، والموظف الذي يخشى مديره، والطفل الذي لا يعرف كيف يدافع عن نفسه؛ هؤلاء جميعًا اختبارات تمر أمامنا كل يوم دون أن ندرك.
قد لا يسألك الله يومًا عن كلماتك الكبيرة، لكنه قد يسألك عن قلب صغير كسرته، وعن محتاج استطعت مساعدته فتجاهلته، وعن موظف ظلمته لأنك كنت تعلم أنه لن يرد عليك، وعن ضعيف رفعت صوتك عليه لأنك ضمنت صمته.
واللطف هنا ليس ضعفًا…أن تكون لينًا لا يعني أن تتخلى عن النظام. وأن تكون رحيمًا لا يعني أن تسمح بالفوضى. وأن تعفو لا يعني أن تهدر الحقوق.
لكن الفرق كبير بين من يصحح الخطأ وهو يحفظ كرامة الإنسان، وبين من يجعل من الخطأ فرصة للإهانة.
الرفق عبادة أحيانًا لا يراها أحد.
قد يكون في ترك كلمة جارحة كنت قادرًا على قولها.
وقد يكون في رسالة اطمئنان.
وفي تأخير العتاب إلى أن يهدأ الغضب.
وفي ستر خطأ إنسان بدل نشره.
وفي إعطاء فرصة ثانية لمن يستحقها.
وفي أن تمسك لسانك عندما تكون قادرًا على الانتصار لنفسك.
وهناك نوع آخر من الخوف من الله أكثر خفاءً: الخوف منه في نوايانا.
قد نفعل الفعل الجميل، لكننا ننتظر تصفيقًا.
وقد نتصدق، لكننا نريد أن يُقال عنا كرماء.
وقد نساعد إنسانًا ثم نذكره طوال عمره بما قدمناه له.
وهنا تصبح مراجعة النية ضرورة؛ لأن الله لا ينظر فقط إلى ما فعلناه، بل يعلم لماذا فعلناه.
الإنسان الذي تصلح سريرته يصبح مختلفًا حتى في غياب الناس.
لا يحتاج كاميرا ليحسن العمل. ولا مديرًا ليؤدي الأمانة.
ولا جمهورًا ليكون رحيمًا. ولا ثناءً ليستمر في الخير.
يكفيه شعور واحد: الله يعلم.
هذه العبارة وحدها قادرة على إصلاح أشياء كثيرة في حياتنا.
الله يعلم أنني استطعت الظلم فعدلت.
الله يعلم أنني غضبت فكظمت غيظي.
الله يعلم أنني أملك الرد واخترت الصفح.
الله يعلم أنني ساعدت إنسانًا ولم أخبر أحدًا.
الله يعلم أنني أغلقت الباب على نفسي ولم أفعل ما يغضبه.
ومن أجمل ما يصنع الخوف من الله أنه يمنح صاحبه ميزانًا داخليًا لا يتغير بتغير الأشخاص.
فلا يكون لطيفًا مع المسؤول وقاسيًا مع العامل.
ولا يبتسم لمن يحتاجه ويهين من لا مصلحة له عنده.
ولا يتحدث عن القيم في المنابر ثم يخالفها خلف الأبواب.
الخشية الحقيقية تجعل الإنسان واحدًا في حضوره وغيابه.
وربما أعظم نجاح يمكن أن يحققه المرء في حياته أن يصل إلى مرحلة تصبح فيها علاقته بالله أقوى من رغبته في رضا الناس.
عندها سيحسن لأن الله يحب الإحسان.وسيعدل ولو خسر مصلحة.وسيرحم ولو كان قادرًا على القسوة.وسيسكت عن كلمة تؤذي.وسيربي أبناءه بحب ومسؤولية. وسيؤدي عمله كأنه سيضعه يومًا بين يدي الله.
فالحياة في جوهرها ليست عدد الأيام التي عشناها، ولا المناصب التي وصلنا إليها، ولا الأشخاص الذين عرفونا.
الحياة سجل طويل من المواقف الصغيرة التي ظننا أن أحدًا لم يرها..لكن الله رآها.
وربما كان موقف رحمة خفي هو الذي يرفع الإنسان، أو كلمة جبر قالها في لحظة انكسار، أو دمعة مسحها عن قلب، أو ظلم استطاع فعله فتراجع عنه مخافة الله.
لذلك، قبل أن نسأل كيف يرانا الناس، فلنسأل أنفسنا سؤالًا أشد صدقًا: كيف يرانا الله عندما لا يرانا أحد؟
فمن أصلح ما بينه وبين الله، أصلح الله الكثير مما بينه وبين الحياة.
وتظل أجمل السرائر تلك التي إذا فُتحت يومًا أمام الله، وجد فيها صاحبها رحمةً قدّمها، وظلمًا منعه، ويدًا امتدت بالعطاء، وقلبًا خاف الله فأحسن إلى خلقه.




