لقاء دون بداية

بقلم الكاتبه :عبير بن صديق
هناك على حافة بحيرة في غابة تحيط بها أشجار الصنوبر تسبح أوزة ضلت طريق سربها، سحر البحيرة أفقدها الذاكرة، من مكان عال نظرت، وهوت فجأة نحوها مُسيرٌ استقرارها فيها ، هامت على شفافية البحيرة بمداها الذي يتلاعب به سراب ساحر يبهر بحيله جمهورًا أتى من زمن قديم، ومن الضفة الأخرى تسللت أشعة الشمس ببراءة طفلة عبر حقل تلحق بفراشة ، ترسم هامات الأشجار ظلالها على صفحة البحيرة الرقراقة، لوحة سربت ألوانها من ضباب الليلة الماضية، عند تلك الضفة وعلى بعد غصن عمره أيام من أطرافها المبعثرة فوق حجارة ملساء ، جلس طفل يحمل حلقة مربوطة بعود أهدته إياه الشجرة الأولى، تحكم بالعود بيده اليمنى، وباليد اليسرى حمل دلوًا خشبيًا صغيرًا يفيض بشهد زنبقي الشذى، فردوسي دون لون، نظر في قاع الدلو، نظرته نحو بئر لايدرك منتهاه ، تذهله مفاجأة تشبع خياله نسرًا اختال ظافرًا.
غمر الحلقة داخل الدلو، أخرجها برشاقة ، استنشق الهواء فأفرغه في رئتيه من محيطه ، إنه السكون .
تسلل الهواء إلى كله وغمر قلبه، اندفع من بين شفتيه ما يكفي لولادة فقاعة بحجم حلم جديد، وبرشاقة راقصة بالية على سمفونية كلاسيكية تمايلت الأوزه عاشقة أثملها عطر الوجد، تراقصت بثقة بالغة دون هدى، لاتعرف أنها ستستقر حتى اقتربت من الأوزة، وفي لحظة تسجلها عينا طفل نحتا في الذاكرة، تآمرالاثنان على موعد خفي، وفي رفة جفن وجد الفقاعة وقد غلفت الأوزة معطفًا ترتديه عاشقة من يدي حبيبها، تاهت، من يقيها المطر، المعطف أم حضن العاشق؟
في لحظة نشوة دخلت الأوزة عالمًا جديدًا ما بين هنا وهناك، عالم برزخي تتلاشي في الحدود والقيود والضجيج والغربة، غابت الأوزة في عالم الفقاعة والطفل يراقب وبريق عينيه يضيئ الفقاعة البلورية البديعة، عند تلك اللحظات المستقطعة من حلم يسبق الأزمان، فجأة توقفت الأوزة، هوى رأسها في البحيرة، تناءت الفقاعة عنها شوكة خرجت من كرة صوف بالية، زحفت إلى الوراء مفقودة الهوية، الأوزة تقابله، تلاقت العيون التي لم يرها قبل ميلاد الفقاعة إذ تلاشت.
فردت الأوزة جناحيها ذابلةً في الماء، ترنحت إلي الخلف، تلك هي أولى المرات لجسدها إذ يقرر الانسحاب. بدأت تغيب ورقبتها تقاوم فتنهل عينيها مشهدًا أخيًرا من بريق عينيه ، أخذت تضعف، غابت في عمق البحيرة محدقة بنهايتها، تابعها، وفي لحظة مغيبه زحف الى طرف البحيرة أراد الغوص إليها، غمر يديه في الماء، سمع همسًا، تساقطت ريشات غطت سماء البحيرة، نظر إلى أعلى وسرب الأوز عاد باحثًا. تردد صوت من الأعماق: “حان الرحيل“




