وقفات مع أذكار الصباح والمساء (2)

بقلم الكاتبة : حنان سالم باناصر
هناك عهود لا تُكتب على الورق، بل تُنقش في أعماق القلب، ومن أعظمهاعهد العبد مع ربه. فكل صباح ومساء يقف المؤمن بين يدي الله معلنًا حقيقة إيمانه، مستشعرًا حاجته إلى الثبات، ومتذكرًا أن القلوب بين أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
ومن أعظم ما يُجدد به العبد هذا العهد قوله:
“اللَّهُمَّ إنِّي أصْبَحْتُ أُشْهِدُكَ، وأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ، ومَلائِكَتَكَ، وجَميْعَ خَلْقِكَ، أنَّكَ أنْتَ اللهُ لا إلَهَ إلاَّ أنْتَ وَحْدَكَ لا شَرِيْكَ لَكَ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ ورَسُولُكَ.”
إنها كلمات عظيمة تحمل معنى الشهادة والتوحيد، وتعيد ترتيب أولويات القلب؛ فالإنسان مهما انشغل في تفاصيل الحياة، يحتاج أن يعود كل يوم إلى أصل الحقيقة التي يقوم عليها كيانه: أنه عبدٌ لله، وأن أعظم نعمة يحملها هي نعمة الإيمان.
فهذا الذكر يعلّمنا أن الإيمان ليس مرحلة يصل إليها الإنسان ثم يطمئن إلى بقائها دون مراجعة، بل هو عهد يحتاج إلى تجديد، وقلب يحتاج إلى تثبيت، وطريق يحتاج إلى سؤال دائم من الله أن يحفظنا عليه.
ولأن القلوب تتقلب، كان من دعاء النبي ﷺ:
“يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك.”
فالقلب مهما بلغ من الصلاح يحتاج إلى عناية الله، وا
لعبد لا يأمن على نفسه من الفتن أو التغير؛ فالثبات فضل من الله قبل أن يكون جهدًا من الإنسان. ومن عرف ضعف نفسه، عرف عظمة أن يسأل ربه الثبات والهداية.
وفي زمننا الحاضر، حيث أصبح العالم مفتوحًا أمامنا، وتصل إلينا الأفكار والمشاهد والمواقف خلال لحظات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح القلب أكثر حاجة إلى الحصانة الإيمانية. فنحن نرى ونسمع ما قد يوافق الحق، وما قد يلبّس الباطل بصورة الحق، وما قد يشغل القلب عن غايته دون أن يشعر الإنسان.
ولهذا تأتي الأذكار كحصن يحفظ على المسلم صفاء عقيدته، ويعيده إلى ميزانه الصحيح؛ فقبل أن يستقبل الإنسان ضجيج العالم، يجدد علاقته بالله، ويؤكد لمن نفسه قبل غيره: من أنا؟ وإلى من أنتمي؟ وما الطريق الذي أريد أن أسير فيه؟
إن أعظم ما يملكه الإنسان ليس كثرة المعلومات ولا اتساع التجارب، بل قلب ثابت يعرف ربه، وميزان يفرق به بين الحق والباطل. ومن هنا يكون هذا الذكر تذكيرًا يوميًا بأن الدين هو عصمة الأمر، وأن المحافظة عليه أعظم من المحافظة على أي شيء آخر.
وقد ورد أن من قال هذا الذكر حين يصبح وحين يمسي أربع مرات كان له فضل عظيم، فهو من الأذكار التي تُكرر لتبقى معاني الإيمان حاضرة في القلب، لأن القلب يضعف بالغفلة، ويقوى بالذكر.
ما أجمل أن يبدأ المؤمن صباحه بإعلان أعظم حقيقة في حياته، وأن يختم يومه بالعهد نفسه؛ فيقول: يا رب، أشهدك أني أؤمن بك وحدك، وأشهدك أني أتمسك بهدي نبيك ﷺ، فاحفظ قلبي من الزيغ، وثبتني على دينك، ولا تجعل الدنيا وما فيها تصرفني عن الطريق الذي ارتضيته لي.
فاللهم يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك، ويا مصرف القلوب صرف قلوبنا لطاعتك، واجعل ذكرنا لك حياةً لقلوبنا ونورًا لطريقنا.


