أعرب ما تحته خط… البشر

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
لو عاد بي الزمن إلى مقاعد الدراسة، لما طلبت من معلمي أن يشرح لي المبتدأ والخبر، ولا أن يحفظني أبواب النحو والصرف، بل كنت سأرفع يدي وأسأله سؤالًا واحدًا:
كيف أتعامل مع البشر؟
كيف أعرف الصادق من المتصنع؟ وكيف أميز بين من يبتسم لي حبًا، ومن يبتسم لي انتظارًا لسقوطي؟ وكيف أفهم أن بعض الأيدي تمتد لتصافحك، بينما تخفي في كفها الأخرى خنجرًا؟
لقد قضينا سنوات طويلة نتعلم كيف نعرب الكلمات، بينما خرجنا إلى الحياة لا نعرف كيف نقرأ الوجوه، ولا كيف نفسر الصمت، ولا كيف نميز بين الابتسامة الصادقة والابتسامة التي تخفي خلفها ألف غاية.
الحياة لم تكن صعبة لأنها مليئة بالمواقف… بل لأنها مليئة بالبشر.
فالطرق لا تؤلمنا، لكن رفقاء الطريق يفعلون.
في هذه الحياة ستلتقي بأشخاص يشبهون المطر؛ يأتون في الوقت المناسب فيحيون في قلبك شيئًا ظننته مات. وستلتقي بآخرين يشبهون العاصفة؛ يقتلعون كل ما بنيته في سنوات، ثم يرحلون وكأن شيئًا لم يكن.
ستعرف من يرفعك إذا تعثرت، ومن يمد يده ليعينك، ومن يفرح لنجاحك كأنه نجاحه. وستعرف أيضًا من يصفق لك أمام الناس، ثم يطفئ نورك في غيابهم. من يبتسم في وجهك، بينما يتمنى أن يرى انكسارك.
ستقابل من يمنحك الأمان دون أن تطلبه، ومن يسلب منك الطمأنينة وأنت تظنه أقرب الناس إليك. ستجد من يداوي جراحك بكلمة، ومن يفتح جرحًا قديمًا بجملة عابرة.
وهناك من سيجعلك تعتذر عن أخطاء لم ترتكبها، فقط لأنه أتقن فن التلاعب بالمشاعر. وهناك من سيشعرك أن وجودك نعمة، وآخر سيحاول إقناعك أنك عبء، بينما الحقيقة أنه لم يعرف قيمتك يومًا.
ومع مرور العمر، ستدرك أن الناس ليسوا سواء…
هناك من يرفعك حتى تؤمن بنفسك.
ومن ينصب لك الفخاخ وأنت تظنه سندًا.
ومن يجرك إلى طرقٍ لم تخترها.
ومن يسكن قلبك فيصبح جزءًا من دعائك.
ومن يضيف إلى حياتك معنى لم تكن تعرفه.
ومن يكون فاعلًا في تغيير حياتك نحو الأفضل.
ومن يكون مفعولًا به في قصة لا يملك فيها قرارًا.
وهناك… من لا يستحق حتى أن تشغل به مساحةً من تفكيرك، تمامًا كما توجد كلمات لا محل لها من الإعراب.
ومع كثرة التجارب، ستكتشف حقيقة لم يخبرنا بها أحد:
ليس كل قريبٍ سندًا، وليس كل بعيدٍ غريبًا.
وليس كل من قال: “أحبك” يحبك، ولا كل من قال: “أنا معك” سيبقى حين تميل بك الحياة.
فالشدائد لا تغيّر الناس… بل تكشفهم.
تكشف من كان يمثل الوفاء، ومن كان يعيشه. وتكشف من كان ينتظر لحظة ضعفك ليخبرك أنه كان يتوقع سقوطك منذ البداية.
وحين تنضج، لن تحزن على من رحل، بل ستحمد الله أنه كشفه قبل أن تمنحه بقية عمرك.
ستتعلم أن القلب ليس مكانًا عامًا، وأن الثقة لا تُمنح لكل عابر، وأن بعض العلاقات انتهت لأنها لم تكن تستحق أن تستمر.
وفي النهاية…
ستدرك أن أصعب اختبار لم يكن في قاعة الدراسة، ولم يكن في ورقة امتحان.
بل كان في كل مرة وثقت فيها بإنسان، وفي كل مرة انكسرت بسبب شخص ظننته أمانًا.
عندها فقط ستعرف أن أجمل ما تعلمته في الحياة لم يكن قواعد اللغة…
بل أن البشر هم أصعب دروسها.
فالكلمات تستطيع أن تُعربها في دقائق، أما البشر… فلا يُعربهم إلا الزمن، ولا يكشف حقيقتهم إلا المواقف.



