تنبيهات مهمة لمريد النكاح

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه ، ثمَّ أمَّا بعد :
إخواني القراء الكرام : إنَّ الزواج نعمةٌ عظيمة من نعم الله يستحق الله الشكر عليها ؛ فبه تسكن النفوس وترتاح وتطمئن ؛ وبه يحصل الأولاد ويفاخر العبد بهم يوم القيامة ، وبه تحصن الفروج وتعف الأبصار عن الحرام ، وبه تحيا سنن المرسلين ، وتركه مع القدرة عليه سبيل المحرومين ، وكم في النكاح الصحيح من أجورٍ عظيمة ، وكم في الحرص عليه من ثواب كبير عند الرحيم التواب ؛ قال صلى الله عليه وسلم : – يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ ، مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ ؛ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ ؛ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ – متفقٌ عليه ، وفي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه : – أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم حَمِدَ اللَّهَ ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ : لَكِنِّي أَنَا أُصَلِّي وَأَنَامُ ، وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي – متفق عليه ؛ وَعَنْهُ رضي الله عنه قَالَ : – كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُنا بِالْبَاءَةِ ، وَيَنْهَى عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا ، وَيَقُولُ : تَزَوَّجُوا الْوَلُودَ الْوَدُودَ ، فإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ – رواه أحمد ؛ وصححه ابن حبان في صحيحه .
وإليك أخي القارئ الكريم بعض التنبيهات المهمة لمريدي النكاح الصحيح ؛ لتسعد نفوسهم في حياتهم الزوجية ، وتحيا حياةً طيبة كريمة ، وهي على النحو التالي :
أولاً : أن يختار ولي المرأةُ الرجلَ الصالح لموليته ؛ الكفؤ ذا الدين القويم ، والخلق الحسن ؛ ليكون زوجاً لها ، وأن يختار الرجلُ المرأةَ الصالحة ذات الدين ، والخلق ؛ لتكون زوجةً له ؛كيف وقد الله تعالى : – وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ – النور : 32 وقال النبي صلى الله عليه وسلم : – إذا جاءَكُم مَن تَرضَونَ دينَهُ وخُلقَهُ ، فأنكِحوهُ ، إلَّا تَفعلوهُ تَكُن فِتنةٌ في الأرْضِ ، وفَسادٌ كبيرٌ – رواه الترمذي في سننه ، وقال صلى الله عليه وسلم : – تُنكَحُ المَرأةُ لأربَعٍ : لمالِها ، ولِحَسَبِها ، وجَمالِها ، ولِدينِها ، فاظفَرْ بذاتِ الدِّينِ تَرِبَت يَداك – رواه البخاري ومسلم في صحيحهما .
وهذه الوصية من أعظم الوصايا التي يوصى بها مريد الزواج ؛ لأنَّ بصلاح كل من الزوج والزوجة يصلح الأولاد ، والذرية ، ويكونوا لبنة خيرٍ لأهليهم ومجتمعهم ، وبلادهم ، وإذا حصل النكاح بغير الاختيار للزوجين ؛ فإنَّ الثمرة والذرية غالباً تفسد ؛ لفساد ، وضعف ديانة الوالدين ؛ عياذاً بالله ، ونسأله تبارك وتعالى صلاح أنفسنا واستقامتها ، وصلاح ذرياتنا وأزواجنا ، وأحفادنا من بعدنا .
ثانياً : أن يصبر ، ويحلم ؛ كلّ من الزوجين على الآخر ؛ فلا بد أن يحصل من الزوجة شيءٌ من النقص والقصور ، وكذلك الحال في الزوج ؛ فليسا بمعصومين منهما ومن غيرهما ؛ ولذا نبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك بقوله : – استوصُوا بالنِّساءِ خيرًا ؛ فإنَّ المرأةَ خُلِقَتْ من ضِلَعٍ ، وإنَّ أعْوجَ شيءٍ في الضِّلَعِ أعْلَاهُ ؛ فإنْ ذهبْتَ تُقِيمُهُ كسرْتَهُ ، وإنْ تركتَهُ لمْ يزلْ أعوَجَ ؛ فاسْتوصُوا بالنِّساءِ خيرًا – رواه البخاري ومسلم في صحيحهما ، وفي الحديث الآخر : – لا يَفرَكْ مُؤمِنٌ مُؤمِنةً ، إن كَرِهَ منها خُلُقًا رَضيَ منها آخَرَ – رواه مسلمٌ في صحيحه .
ثالثاً : أن يختار كلّ من الزوج والزوجة الصحبة الصالحة الذين يدلونهما على كل خيرٍ ، وينهوهما عن كلِّ شر ؛ فكم من زوجٍ صالحٍ ، وامرأةٍ صالحةٍ صاحبا رفقةً سيئةً ؛ فكانوا سبباً لفساد الزوجين ، وأولادهم من بعدهم ، ويكون ذلك سبباً للشقاق والخلاف بين الزوجين ؛ ثم الخلع أو الطلاق بعد ذلك .
إخواني القراء : ما أكثر المخببين للأزواج على زوجاتهم ، وما أكثر المخببات للزوجات على أزواجهنَّ ، والواقع خير شاهدٍ على ذلك ؛ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : – لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا – رواه أبو داود في سننه ؛ قال الهيتمي رحمه الله في الزواجر ٢ / ٤٢ : – الْكَبِيرَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّامِنَةُ وَالْخَمْسُونَ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ : تَخْبِيبُ الْمَرْأَةِ عَلَى زَوْجِهَا – أَيْ إفْسَادُهَا عَلَيْهِ – وَالزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ – .
فليحذر كلا من الزوجين أن يصغوا بآذانهم للمخببين النمامين ؛ سواءً كانوا من الأقارب أو غيرهم ؛ أو كانوا من زملائهم في العمل أو خارجه ؛ وليبادر كل من الزوج والزوجة بحل مشاكلهم بأنفسهم ؛ حتى لا تخرج مشاكلهم خارج بيوتهم ؛ وحتى لا يتلقف مشاكلهم ضعفاء الإيمان ؛ ورواد الشر والفساد ؛ فيجعلون كما يقال من الحبة قبةً ، ومن الشيء الصغير شيئاً عظيماً كالجبل .
وكم هي الأسر التي تفككت بسبب ذلك ، وضاع بعدهم الأولاد ، وكانوا فريسةً سهلةً لقطاع الطرق ، من أصحاب الأفكار الضارة على أنفسهم ، ومجتمعهم ، وبلادهم .
رابعاً : أن يقنع كلٌّ من الزوج والزوجة بما آتاهما الله من مالٍ ، ورزقٍ حلال ؛ من تجارةٍ أو وظيفةٍ أو غيرها ؛ وعدم النظر إلى من هو أعلى منهما مالاً أو أحسن منهما حالاً ؛ حتى لا يتعبا نفسياً ، ويحصل منهما شيءً من الحسد والطمع لما في أيدي غيرهما ؛ فيؤدي ذلك إلى النزاع والشقاق بين الزوجين ، ثمَّ الخلع والفراق بعد ذلك ؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ؛ وقد قال الله تعالى : – لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ۚ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا ۚ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا – الطلاق : 7 وقال صلى الله عليه وسلم : – من كانتِ الآخرةُ هَمَّهُ جعلَ اللَّهُ غناهُ في قلبِهِ ، وجمعَ لَه شملَهُ ، وأتتهُ الدُّنيا وَهيَ راغمةٌ ، ومن كانتِ الدُّنيا همَّهُ جعلَ اللَّهُ فقرَهُ بينَ عينيهِ ، وفرَّقَ عليهِ شملَهُ ، ولم يأتِهِ منَ الدُّنيا إلَّا ما قُدِّرَ لَهُ – رواه الترمذي في سننه ، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم 2465 .
إخواني القراء هذه بعض التنبيهات المهمة لمريدي النكاح أوردت بعضها دلالةً على غيرها ، والله نسأل العفو والعافية ، والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة ، وأن يهدينا جميعاً للتي هي أقوم ، وأن يصلحنا ، ويصلح أزواجنا ، وذرياتنا لما يحبه الله ويرضاه ، وأن يجمعنا بهم ، وبجميع قراباتنا ، والمسلمين أجمعين ؛ في جنات النعيم ، وأن ينجينا من عذاب القبر ، والجحيم ؛ اللهم آمين .



