حين تعجز الكلمات عن حمل القلوب

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
هناك معارك لا تُرى، لا تُسمع فيها صرخات، ولا تُراق فيها دموع، لكنها تُخاض كل يوم خلف شاشات الهواتف. معارك تبدأ برسالة قصيرة، وتنتهي بقلبٍ مثقلٍ بالأسئلة، وعلاقةٍ أنهكها سوء الفهم أكثر مما أنهكها سوء النية.
الكتابة نعمة، لكنها في كثير من الأحيان تظلم أصحابها. فهي تنقل الحروف، لكنها تعجز عن حمل نبرة الصوت، وعن ارتعاشة الكلمة، وعن نظرة العين، وعن الابتسامة التي قد تغيّر معنى جملة كاملة. لذلك قد يكتب أحدنا وهو مطمئن، فتصل رسالته وكأنها جفاء، أو يكتب وهو يمزح، فتُقرأ كاستهزاء، أو يختصر حديثه لانشغاله، فيُفسَّر اختصاره على أنه فتور أو تجاهل.
كل إنسان يكتب من الحالة التي يعيشها في تلك اللحظة، لكن المشكلة أن الطرف الآخر يقرأ الرسالة من الحالة التي يعيشها هو. فإن كان سعيدًا، التمس الأعذار. وإن كان حزينًا، رأى بين السطور ما لم يُكتب. وإن كان خائفًا من الفقد، قرأ الصمت وداعًا، وقرأ الاختصار تغيّرًا، وقرأ التأخر في الرد بداية نهاية.
وهنا تبدأ المأساة.
لا لأن الكلمات كانت سيئة، بل لأن المشاعر كانت مثقلة بما يكفي لتمنحها معنى آخر.
كم من علاقة جميلة أرهقتها التأويلات؟ وكم من قلبٍ صادقٍ اتُّهم بالبرود لأنه لم يُحسن التعبير؟ وكم من شخصٍ ظل يلوم نفسه على كلمة لم يقصد بها إلا الخير، بينما وصلت إلى الطرف الآخر كسهم أصاب أعمق موضع في قلبه؟
إن أكثر ما يوجع الإنسان ليس الكلمة ذاتها، بل شعوره بأن أقرب الناس إليه لم يفهمه كما أراد، ولم يقرأ قلبه قبل أن يقرأ رسالته.
ولأننا بشر، نحمل في داخلنا تجارب قديمة، وخيبات متراكمة، وجروحًا لم تلتئم، فإننا أحيانًا لا نقرأ الكلمات، بل نقرأها بعيون الألم. فنحمّلها ما لا تحتمل، ونمنحها نوايا لم تكن فيها، ثم نبني فوقها مسافات من الصمت والعتاب.
الحقيقة أن أغلب العلاقات لا تموت بسبب خطأ كبير، وإنما تذبل بسبب تراكم التفسيرات الخاطئة. كلمة لم تُشرح، وصمت لم يُفهم، ورسالة قُرئت بغير نبرة كاتبها، فكبرت المسافة بين قلبين كانا يستطيعان تجاوز كل ذلك بحوار صادق.
ليس كل صامتٍ غاضبًا، وليس كل مختصرٍ متغيرًا، وليس كل متأخرٍ في الرد قد ملَّ الحديث. أحيانًا يكون الإنسان منشغلًا بمعركة لا يعلم عنها أحد، أو مثقلًا بهمٍّ يعجز عن وصفه، أو متعبًا إلى درجة لا يقوى معها على ترتيب كلماته.
لذلك، قبل أن تحكم على رسالة، تذكّر أن وراء الشاشة قلبًا قد يكون أكثر لطفًا مما أوحت به كلماته، وأكثر ألمًا مما أظهره صمته.
امنح من تحب فرصة للتوضيح قبل أن تمنحه حكمًا بالإدانة. واسأله قبل أن تعاتبه. واستمع إليه قبل أن تبتعد. فالعلاقات التي تستحق البقاء لا يحميها كمال الكلمات، بل يحميها حسن الظن، وسعة القلب، والرغبة الصادقة في الفهم.
وفي النهاية…
ليست كل الرسائل تُقرأ بالحروف، فبعضها لا يفهمه إلا القلب الذي يعرف صاحبه جيدًا.
فكم من كلمةٍ قتلتها القراءة الخاطئة، وكم من علاقةٍ كان يمكن أن تعيش طويلًا، لو أن القلوب قرأت النوايا قبل أن تقرأ السطور.




