مقالات

الحياة… بين تأشيرة الدخول وتأشيرة الخروج

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي

بقلم الكاتبة: فاطمة عواجي

نأتي إلى الحياة دون أن نستأذنها، ونغادرها دون أن تستأذننا… وبين مجيءٍ لم نختره، ورحيلٍ لا نعرف موعده، نعيش عمرًا كاملًا نظن أحيانًا أنه ملكٌ لنا، بينما الحقيقة الأكثر قسوة وعمقًا أن الإنسان لا يملك من حياته إلا ما يفعله بها.

حين نولد، تُمنح لنا أولى تأشيرات الوجود؛ اسمٌ، وتاريخ ميلاد، وأسرة، ووطن، وملامح لم نخترها، وظروف قد تمنح بعضنا طريقًا ممهدًا، وتضع أمام بعضنا الآخر دروبًا شاقة.

ندخل الحياة متساوين في جهلنا بها، ثم تفرّقنا اختياراتنا.

يكبر الإنسان، وتكبر معه أوهامه الصغيرة؛ يظن أن امتلاك الأشياء يعني امتلاك الحياة، فيجمع المال، ويبحث عن المكانة، ويطارد الألقاب، ويبني البيوت، ويملأ خزائنه، ويكدّس حول اسمه ما يستطيع من مظاهر النجاح.

ثم تمر السنوات بهدوء، ليكتشف ـ إن أمهله العمر ـ مفارقةً عجيبة: أننا نقضي نصف أعمارنا نجمع أشياء سنتركها، وقد ننسى أن نجمع أشياء سترافقنا.

وهنا تكمن فلسفة الرحلة.

فالحياة لا تقاس بما دخل إلى أيدينا، بقدر ما تقاس بما خرج منها إلى الآخرين؛ لا بما امتلكناه، بل بما منحناه، ولا بعدد الذين عرفوا أسماءنا، بل بعدد القلوب التي أصبح العالم في داخلها أجمل لأننا مررنا بها.

قد يمتلك إنسان بيتًا عظيمًا، لكنه لم يمنح قلبًا واحدًا مأوى.

وقد لا يملك آخر إلا القليل، لكنه كان وطنًا لكل من لجأ إليه.

فمن منهما كان أكثر ثراءً؟

إنها أسئلة لا تجيب عنها الأرقام.

نحن نعرف تاريخ دخولنا إلى الدنيا، ونحتفل به كل عام، لكننا نجهل تمامًا تاريخ الخروج منها. وبين التاريخ المعلوم والتاريخ المجهول تتشكل أعظم مساحة للامتحان الإنساني: ماذا سنفعل بالوقت الذي بينهما؟

ذلك الوقت الذي نسميه ببساطة: العمر.

والعمر ليس عدد السنوات التي عشناها، بل مقدار الحياة التي وضعناها في تلك السنوات.

فكم من إنسان عاش طويلًا، لكنه مرّ على الدنيا مرورًا خفيفًا لم يترك وراءه إلا اسمه على شاهد قبر.

وكم من إنسان كان عمره قصيرًا، لكنه ترك من الخير والعلم والمحبة ما جعل وجوده يمتد بعد غيابه.

لهذا، ربما لا يكون الموت نقيض الحياة كما نظن؛ بل هو المرآة التي تكشف قيمتها.

فلولا النهاية، لما أدركنا قيمة الوقت.

ولولا الفقد، لما عرفنا قيمة الحضور.

ولولا الرحيل، لما فهمنا أن بعض التفاصيل التي نستهلك أعمارنا في مطاردتها لم تكن تستحق كل ذلك القلق.

عند تأشيرة الخروج، تتغير معايير الأشياء بصورة مذهلة.

الأموال التي قضينا أعمارنا نجمعها تصبح ميراثًا.

والبيوت التي تعبنا في بنائها تصبح ملكًا لغيرنا.

والمناصب التي تنافسنا عليها يشغلها آخرون.

والملابس تبقى في الخزائن.

والهواتف تصمت.

والحسابات تتوقف.

والاسم الذي كان يُسبق بالألقاب يُختصر في جملة واحدة:

رحمه الله.

يا لها من لحظة تختصر فلسفة الدنيا كلها!

كل ما كنا نظنه كبيرًا يصغر، وكل ما استصغرناه من الخير يكبر.

ابتسامة منحتها لمكسور، كلمة قلتها لمن كان على حافة اليأس، يد أمسكت بها يتيمًا، حاجة قضيتها لإنسان، ظلم امتنعت عنه وأنت قادر عليه، سرّ سترته، اعتذار بادرت به، قلب سامحته، علم تركته، صدقة أخفيتها حتى عن أقرب الناس إليك…

هذه التفاصيل التي لا تصنع ضجيجًا في الدنيا، قد تكون أثقل الأشياء في ميزان الرحيل.

ولعل أعجب ما في الإنسان أنه يعرف أنه راحل، لكنه يعيش أحيانًا كأنه باقٍ.

يؤجل كلمة «أحبك».

ويؤجل «سامحني».

ويؤجل زيارة والديه.

ويؤجل صلة رحمه.

ويؤجل التوبة.

ويؤجل الخير.

ويقول في داخله: غدًا.

وكأن الغد عقدٌ مكتوب بينه وبين الحياة.

بينما الحقيقة أن كل صباح نفتح فيه أعيننا ليس حقًا مكتسبًا، بل فرصة جديدة أضيفت إلى أعمارنا كي نصحح شيئًا، أو نجبر قلبًا، أو نغلق باب شر، أو نفتح باب خير.

إن تأشيرة الخروج لا تسأل الإنسان: كم جمعت؟

بل تضع أمامه سؤالًا أكثر رهبة:

ماذا تركت؟

وهناك فرق هائل بين السؤالين.

فالأول سؤال الممتلكات، والثاني سؤال الأثر.

الأول ينتهي عند حدود القبر، والثاني قد يبدأ بعده.

ولهذا قال النبي ﷺ: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له».

وكأن الحديث يعيد تعريف الخلود الإنساني؛ فأنت لا تستطيع أن تمنع جسدك من الرحيل، لكنك تستطيع ـ بإذن الله ـ أن تترك من الخير ما يستمر بعدك.

وهنا تصبح الحياة أكثر وضوحًا:

لسنا مطالبين بأن نعيش طويلًا بقدر ما نحن مطالبون بأن نعيش صحيحًا.

أن نكون أخفَّ على القلوب.

أقلَّ ظلمًا.

أكثر رحمة.

أصدق أثرًا.

أن نمر بالحياة دون أن نكسر ما لا نستطيع إصلاحه، ودون أن نحمل معنا حقوقًا كان بإمكاننا ردها، أو اعتذارات كان يمكننا قولها، أو خيرًا كان في وسعنا فعله.

فليس السؤال الحقيقي: متى سنرحل؟

ذلك موعد لا نملكه.

السؤال الذي نملكه هو:

كيف سنكون حين يأتي الرحيل؟

هل سنغادر وقد تركنا خلفنا قلوبًا تدعو لنا، أم قلوبًا تدعو علينا؟

هل سيكون غيابنا مجرد خبر، أم ستبقى لنا سيرة جميلة تتردد كلما ذُكر الوفاء والكرم والرحمة؟

وهنا فقط نفهم أن أعظم نجاح في الحياة ليس أن يعرفك أكبر عدد من الناس، بل أن يذكرك من عرفك بخير.

وأن أجمل ثروة ليست ما تحفظه الخزائن، بل ما تحفظه لك القلوب.

وأن أعظم منصب قد يصل إليه الإنسان ليس منصبًا يُكتب أمام اسمه، بل مكانة يتركها في نفوس الآخرين بعد أن يُمحى اسمه من كل المكاتب.

نحن جميعًا مسافرون…

اختلفت مقاعدنا، وأمتعتنا، ومحطاتنا، وظروف الطريق، لكن الوجهة واحدة.

دخلنا الحياة بلا شيء، وسنخرج منها بلا شيء من متاعها، وبين الدخول والخروج مُنح كل واحد منا مساحة صغيرة اسمها العمر، ليكتب فيها قصته بنفسه.

فلا تجعل قصتك مجرد سنوات مرت.

اجعلها قلبًا جبرته.

وإنسانًا أعنته.

وعلمًا نشرته.

وحقًا أعدته.

وظلمًا منعته.

وصدقةً أخفيتها.

ودعوةً صادقة بقيت لك في قلب إنسان لا تعرف حتى أنه يدعو لك.

فقد تكون أغنى لحظات حياتك تلك التي أعطيت فيها ولم يعلم بك أحد إلا الله.

وما بين تأشيرة دخول لم نستأذن في صدورها، وتأشيرة خروج لن نستطيع تأجيلها، توجد حياة كاملة لا تُقاس بطول الإقامة، بل بجمال الأثر.

فاصنع في المسافة بينهما شيئًا يستحق أن يبقى.

لأن الإنسان في النهاية لا يأخذ معه ما جمعه من الدنيا…

بل يذهب بما قدَّمه فيها.

وحين تُطوى آخر صفحة من العمر، لن يكون السؤال الأهم:

كم سنة عشت؟

بل: كم حياةً أصبحت أجمل لأنك كنت يومًا فيها؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬