Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات

الأرزاق تعرف عناوين أصحابها

بقلم : د. رغدة الإدريسي

بقلم : د. رغدة الإدريسي

في كل مرة مددت يدي اشتري شيئا من بائع في بلدة سافرت لها، أتأمل كيف ساق الله له رزقه طائرا عبر البلاد، قاطعا الوهاد، محلقا فوق السحاب، فرزقه بهذا القدر كان عندي، وكان لابد أن أسافر وأقابله لأعطيه له في اليوم الذي أراده الله له، بائع السميت في إسطنبول، وصانعة اللوحات الحجرية في آيدر، وفنان الصدف على شاطئ موريشوس، والطفلة بائعة المناديل في القاهرة ، والمصور الذي التقيناه صدفة على جسر موستار، وصاحب البقالة الصغيرة الذي ساقني له العطش الشديد في ملقا، والمحل الذي أعياني التعب عنده فاشتريت منه رغم تشابه بضاعته مع المحل الذي قبله والمحل الذي بعده، وطبخة طبختها ففاجأني ضيف عزيز كان رزقه أن يأكل منها، وغرض اشتريته لنفسي ثم جاءتني مناسبة مفاجئة فأهديته لصديقة غالية كان هذا رزقها مذ أن ابتعته أصلا، ومرض دهمني كان سببا كما تقول ستي -رحمها الله مازحة- ليرزق الله الطبيب بعشائه، وكما شهدتُ على امرأة عظيمة، ربّت أحفادها وحدها وأنفقت عليهم إلى أن توظفوا، فقالت لها حفيدتها يوما: سامحينا يا جدتي لقد أثقلنا كاهلك، فقالت: إنما هذا رزقكم قد وضعه الله عندي.

وهكذا تساق لنا أرزاقنا سوقا من أقاصي الأرض، ومن أباعد العباد، وفي ثنايا الأقدار، لا تحزن على ما فاتك لأنه ليس لك أصلا وإن كنت تحسبه كذلك، واعلم أن “الأرزاقَ مقسومةٌ ومُقدَّرةٌ كالآجالِ، ولو فرَّ الإنسانُ من رِزْقِهِ كما يَفِرُّ من أَجَلِهِ، لأَدْركَهُ رِزْقُه كما يُدْرِكُه أَجَلُه”.

وكم من أرزاقٍ سيقت لأصحابها وهم على فرُشُهم، كما حكى لي أبي رحمه الله، قال: اسعوا في طلب الرزق، ولكن اعلموا أنكم لن تنالوه بقدر سعيكم أو تعبكم فقط وإنما بقدر ما قسمه الله وكتبه لكم، وإلا لكان الكنّاس والبنّاء أغنى الناس، ولقد شهدت على أخي رزقه الله بمليون ريال وهو نائم في سريره، عجبنا وقلنا له: وكيف ذاك؟ فقال: كان حاضرا وليمة ما، وذكر عقارا مُربِحاً في موقع حيوي يعرضه ورثته للبيع، وبعد شهرين أو ثلاثة اتصل أحد الأصدقاء المشتركين صباحا على مكتبي بالعمل -فلم يكن زمن الجوالات قد حل بعد- وقال: أين أخوك؟ لا يرد على هاتف مكتبه منذ أيام! لقد اشتريت العقار الذي ذكره يوم الوليمة، وأريد أن أعطيه نسبة الدلالة. يقول أبي: فخرجت من مكتبي وذهبت إلى بيت أخي، فإذا هو نائم مريض في فراشه، فأذنت لي زوجته، ففصلت هاتف المجلس ووصلته بغرفته واتصلت على المشتري، وناولته أخي، فكلمه وهو نائم في سريره، وقال له: تعال غدا لتستلم شيكا بمبلغ مليون ريال نسبتك في الدلالة، فجاءه رزقه وهو نائم في فراشه.

وكم سمعنا من قصص شبيهة بذلك نسميها أحيانا الصدف وضربة الحظ، ولكن ما هي إلا أرزاق مكتوبة قبل أن نولد، ولذلك يقال إن دعوت بالرزق فلا تقل رب ارزقني فقط، بل قل رب ارزقني وهب لي من لدنك رزقا واسعا مباركا، كما دعا سليمان عليه السلام فقال ﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ فكان، وكما دعا زكريا فقال ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ فكان، وكما أثنى الله على عباده المؤمنين ﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ فالهبة تكون عطية من الله بلا سعي ولا تعب ولا مكابدة، وهي أعظم شأنا وقد تخرق القوانين البشرية، أما الرزق فيأتي بالسعي والجهد.

ومن القصص التي قرأتها قبل سنوات ولا تزال عالقة في ذهني، قصة كتبها ناجٍ من سجون سوريا، يقول: كان معنا شاب صغير السن محكوم بالإعدام، ولما بقي على تنفيذ حكم الإعدام ثلاثة أيام، أصابه هلع شديد منعه عن الطعام، فكان لا يدخل جوفه إلا رشفات من ماء، وحاولنا كثيرا أن نهون عليه أو نبعث الأمل في نفسه، فنقول لا تدري علّ عفواً يصدر في حكمك، أو لعل أمرا ما يحدث والله على كل شيء قدير، ولكن دون جدوى، ولما حلّ الصباح الذي يُساق فيه إلى منصة الإعدام ألفيناه جالسا لم يغمض له جفن طوال الليل، وصلى معنا الفجر، وجلس يرقب الباب، وضع السجناء فطورهم المعتاد براد الشاي والخبز الحاف وقطعا من الجبن، ودعوه إلى الفطور وحاولوا تهدئته ولكن هيهات، رفض الطعام وظل يرقب الباب، وفجأة فتح السجان الباب ونادى باسمه وقال: يا فلان لن ينفّذ حكمك اليوم لوجود زائر رفيع المستوى يزور السجن. تهلل السجين فرحا وخر ساجدا، وهبّ كل من في الغرفة لعناقه وتهنئته، وقلنا له أما الآن فلا بد أن تأكل، ففرح واستبشر وقال: نعم، هاتوا الفطور، وأخذ يأكل طعامه بسعادة، وعندما رشف آخر رشفة من فنجان الشاي ووضعه على الأرض، فتح السجان الباب ونادى قائلا: يا فلان هيا إلى منصة الإعدام فقد ألغى المسؤول زيارته، واقتاده وذهب ليلقى ربه شهيدا رحمه الله. يقول الناجي صاحب الحكاية: تعجبت وقلت سبحان الله، لقد بقي من رزقه في هذه الدنيا هذه اللقيمات من الخبز والجبن وهذا الفنجان من الشاي، فلم يمت حتى طعِمَها، وتذكرت حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: (لن تموت نفس حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها) فاطمئن وارضَ وادعُ واصبر وارتقب.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬