ما يحدث في الظل لا يبقى في الظل

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
اعتنِ بنفسك يا رفيقي… فليست كل الطرق التي تروق للقلب صالحةً للمضي، وليست كل المشاعر التي تزورنا تستحق أن نفتح لها الأبواب.
تبدأ بعض الحكايات صغيرة إلى درجة أننا لا نراها خطرًا؛ سؤال عابر، حديث يطول قليلًا، اهتمام يختلف عن المعتاد، انتظار لرسالة، ولهفة للقاء… ثم نجد لأنفسنا التبرير الذي يطمئن الضمير: مجرد كلام، مجرد صداقة، مجرد شعور لن يؤذي أحدًا.
لكن الأشياء التي نخفيها لا تبقى صغيرة طويلًا.
شيئًا فشيئًا يصبح للهاتف وجهان، ولليوم وقتان، وللقلب مكانان؛ مكان ظاهر يعرفه الجميع، وآخر لا يعيش إلا حين تغيب العيون. وهنا لا تكون المشكلة في رسالة أو لقاء بقدر ما تكون في اللحظة التي يتعلم فيها الإنسان أن يعيش حياتين؛ حياة يراها من حوله، وأخرى يخشى أن يعرفها أقرب الناس إليه.
وأشد ما في الأمر حين يكون في الطرف الآخر إنسان منحك الثقة بدل المراقبة.
فالزوجة حين تطمئن إلى زوجها لا تسأله عن كل دقيقة، ولا تفتش خلف كل اتصال، لأنها منحته شيئًا أجمل من ذلك كله: أن يغيب عن عينيها ويبقى حاضرًا في يقينها. تثق أن قلبه يعرف طريق بيته، وأن غيابها عنه لا يعني غياب أمانته.
والزوج كذلك حين يثق بزوجته، لا يعيش متوجسًا من كل رسالة أو غياب؛ لأنه يطمئن إلى أن المساحة التي منحها لها يحرسها الوفاء، وأنها حين تكون بعيدة عن عينيه لا تكون بعيدة عن العهد الذي بينهما.
الثقة ليست غفلة، ولا سذاجة، ولا ضعفًا؛ الثقة أن يملك الإنسان ألف سبب للشك، ثم يختار أن يطمئن لأنك أنت من طمأنته.
فأي وجع أشد من أن يمنحك إنسان حرية الاطمئنان، فتجعل من اطمئنانه فرصةً لتخفي عنه ما يؤذيه؟
كيف يستطيع الرجل أن يعود إلى بيته، يضحك مع زوجته، ويطمئنها بحضوره، بينما هناك امرأة أخرى أخذت من وقته وحديثه ولهفته شيئًا لا تعرف عنه زوجته؟
وكيف تستطيع امرأة أن تنظر في عيني زوج وثق بها، بينما هناك رجل آخر يعرف من تفاصيلها ومشاعرها ما كان زوجها يعتقد أنه محفوظ داخل حدود بيته؟
وحين تُكشف الحقيقة، لا ينكسر الحاضر وحده؛ يبدأ الإنسان بمراجعة الماضي كله:
كم مرة صدقت؟ كم غيابًا ظننته عاديًا؟ كم ابتسامة صدقتها؟ وكم موقفًا كنت فيه مطمئنًا بينما كانت هناك حكاية أخرى لا أعرفها؟
وهكذا لا يسقط موقف واحد… بل تسقط معه ذكريات كثيرة كانت آمنة.
ولا يقف الأمر عند الزوجين وحدهما؛ فهناك فتاة منحها أهلها الثقة، وشاب فتح له أهله أبواب الحياة وهم مطمئنون إليه، وهناك آباء وأمهات ينامون وهم يظنون أن من أحبوهم يعرفون قيمة ما منحوه لهم. وفي كل علاقة إنسانية هناك شيء اسمه الأمانة؛ قد تختلف صورها، لكن وجع سقوطها واحد.
وقبل الزوج والزوجة والأهل والناس، يبقى السؤال الذي يجب أن يسبق كل الأسئلة:
أين الله من الحكاية؟
نخشى أحيانًا أن يقرأ أحد الرسالة، أو أن يرانا شخص، أو أن تُكشف التفاصيل… وننسى أن قيمة الإنسان لا تظهر حين تراقبه العيون، بل حين يستطيع أن يفعل ولا يفعل.
فما لا تستطيع أن تفعله أمام من ائتمنك، لا تحاول إقناع نفسك بأنه يصبح صحيحًا لمجرد أنه حدث في غيابه.
وقد يقول أحدهم: كنت أحتاج حنانًا.
وتقول أخرى: وجدت من يفهمني ويحتويني.
لكن منذ متى أصبح الاحتياج تصريحًا لأن نأخذ ما ليس لنا؟
إذا نقص شيء داخل العلاقة، فليُطلب داخلها؛ بالحوار، والاقتراب، والمصارحة والإصلاح. وإن تعذر الاستمرار، فهناك قرارات واضحة تحفظ كرامة الجميع. أما أن نبقي البيت في مكانه ونبني خلفه حياة أخرى في الخفاء، فنحن لا نعالج النقص… بل نصنع نقصًا أكبر قد يأتي يوم لا يستطيع أحد إصلاحه.
وليس الطرف الآخر بريئًا دائمًا لمجرد أنه لم يعطِ وعدًا لأحد.
فإذا رأيت إنسانًا متعبًا، ضعيفًا، أو ناقص الاحتواء، لماذا تستفيد من فراغه بدل أن تساعده على إصلاحه؟
إذا أحببت رجلًا له بيت، فلماذا لا تقول له: اذهب وأصلح ما بينك وبين زوجتك؟
وإذا أحببت امرأة لها بيت، فلماذا لا تكن سببًا في أن تعود أكثر قربًا من أسرتها، لا أكثر ابتعادًا عنها؟
ما قيمة حب يجعل الإنسان أقل وفاءً مما كان؟
وما قيمة علاقة تحتاج دائمًا إلى الغياب كي تستمر؟
الذي يحبك حقًا لا يستغل ضعفك ليأخذك إليه، بل يمسك بيدك حتى لا تخسر نفسك بسببه.
ربما يكون أجمل ما يستطيع إنسان فعله لمن يحبه أن يقول له:
أنا أحبك بما يكفي لأنني لن أكون سببًا في هدم حياتك.
فالحب ليس دائمًا أن نمتلك من أحببنا، وأحيانًا يكون أرقى أشكاله أن نحفظه من قرار ستدفع روحه ثمنه بعد سنوات.
واسأل نفسك سؤالًا لا يحتاج إلى فلسفة طويلة:
هل ترضى أن يحدث في بيتك ما تسمح لنفسك بفعله في بيت غيرك؟
هل تقبل أن يأتي شخص إلى زوجتك لأنه وجدها محتاجة إلى احتواء؟
وهل تقبلين أن تمنح امرأة زوجك اهتمامًا لأنها رأت أنه يفتقده؟
إن كان مجرد تخيل الأمر يوجعك، فلا تجعل ما يؤلمك إذا وقع عليك شيئًا بسيطًا حين يقع على غيرك.
فالحياة غريبة الحساب؛ ما نستصغره اليوم قد يعود إلينا يومًا بصورة لم نتوقعها. ولا تزرع في قلب غيرك وجعًا ثم تطلب من الأيام ألا تمر ببيتك.
واحذروا أكثر من تلك المرحلة التي يصبح فيها الخطأ مألوفًا؛ حين تخفت وخزة الضمير، ويظن الإنسان أن عدم انكشاف الأمر دليل على سلامته. فبعض الأثمان لا تأتي فورًا، وبعض الخسائر لا تبدأ يوم تُكشف الحقيقة… بل بدأت منذ اللحظة التي أصبح فيها الإنسان قادرًا على النظر إلى وجه من وثق به دون أن يشعر بثقل ما يخفيه.
وقد يبقى البيت قائمًا بعد كل شيء، وقد يستمر الزوجان تحت سقف واحد، لكن شيئًا واحدًا قد لا يعود أبدًا: تلك النظرة القديمة التي كانت تقول: أنا آمن معك.
ولهذا لا تكونوا لبعضكم أبوابًا للندم.
إذا رأيتم من تحبون يتجهون إلى حافة تؤذيهم، فلا تمشوا معهم إلى الأسفل ثم تسموا ذلك حبًا. كونوا اليد التي تعيدهم، والكلمة التي توقظهم، والسبب الذي يجعلهم أفضل بعد معرفتكم لا أسوأ.
فليس كل من شاركك سقوطك رفيقًا، وقد يكون أصدق الناس حبًا لك من وقف أمامك وقال: ارجع.
وختام الحكاية ليس: هل اكتشف أحد ما حدث؟
بل السؤال الأعمق: هل أصبحت بعد هذه العلاقة إنسانًا تستطيع احترامه حين تكون وحدك؟
فما يحدث في الظل قد لا يراه الناس، لكنه يظهر فينا نحن؛ في قلقنا، وفي وجوهنا، وفي المسافة التي تتسع بين ما نقوله وما نفعله.
احفظوا البيوت قبل أن تحتاج إلى ترميم، واحفظوا ثقة من أحبكم قبل أن تتحول الطمأنينة إلى ألف سؤال.
فبعض العلاقات لا يكون أجمل ما فيها أن تكتمل، بل أن نملك من الوعي والرحمة ما يكفي لإنهائها قبل أن تهدم بيتًا، أو تكسر قلبًا، أو تجعل إنسانًا وثق بنا يتمنى لو أنه لم يفعل.




