وقفات مع أذكار الصباح والمساء (1)

بقلم الكاتبة: حنان سالم باناصر
«ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين»… حين يكون أعظم الدعاء أن يتولى الله أمرك
ليست أذكار الصباح والمساء كلمات نرددها مع بداية اليوم ونهايته، ثم نمضي عنها، بل هي رسائل إيمانية متجددة، تغرس في النفس معاني التوكل، وتعيد للقلب توازنه، وتذكر الإنسان بحقيقة احتياجه الدائم إلى ربه. ففي كل ذكر توجيه، وفي كل دعاء تربية، وفي كل استعاذة درس يلامس واقع الحياة.
ومن الأدعية العظيمة التي يرددها المسلم في أذكار الصباح والمساء قول النبي ﷺ: «يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين».
قد تبدو عبارة «ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين» قصيرة في ألفاظها، لكنها تحمل معنى بالغ العمق. فهي تختصر حقيقة الإنسان في هذه الدنيا؛ فمهما أوتي من علم، أو خبرة، أو قوة، فإنه يظل محتاجًا إلى توفيق الله وتسديده في كل خطوة.
فالإنسان قد يثق برأيه، ثم يكتشف بعد زمن أن ما كان يراه خيرًا لم يكن كذلك، وقد يحزن لإغلاق باب كان يتمناه، ثم يدرك لاحقًا أن رحمة الله كانت في منعه. وهنا يتجلى معنى هذا الدعاء؛ فهو يربي القلب على ألا يغتر بقدراته، وأن يوقن بأن علم الله أوسع، وحكمته أكمل، وتدبيره خير من تدبير العبد لنفسه.
أن تُوكل إلى نفسك لا يعني أن تبقى وحدك فحسب، بل أن تُترك لضعفك البشري، وتقلبات مشاعرك، وقصور نظرتك، وأخطائك في التقدير. فالنفس قد تزين لصاحبها ما يضره، وقد تدفعه إلى قرار متسرع، أو كلمة يندم عليها، أو طريق يظنه خيرًا وهو ليس كذلك.
ولهذا كان من أعظم ما دعا به النبي ﷺ أن يسأل ربه ألا يكله إلى نفسه، لأن أعظم ما يحتاجه الإنسان ليس زيادة الذكاء أو القوة، وإنما دوام الهداية والتوفيق.
ولا يدعو هذا المعنى إلى ترك الأسباب أو إهمال التخطيط، بل يؤكد ضرورة الجمع بين الأمرين؛ أن يجتهد الإنسان، ويخطط، ويبذل ما يستطيع، ثم يوقن أن النجاح الحقيقي لا يكون إلا بتوفيق الله، وأن النتائج كلها بيده سبحانه.
وحين يبدأ المسلم يومه بهذا الدعاء، يعيش مطمئنًا؛ فلا يغتر إذا نجح، ولا ييأس إذا تعثر، لأنه يعلم أن الله هو المدبر لأمره. فإذا ضاقت به السبل فتح له أبوابًا لم يكن يتوقعها، وإذا ضعفت نفسه قواه، وإذا أخطأ ألهمه الصواب.
ولعل أجمل ما يغرسه هذا الدعاء في القلب أنه يخفف عن الإنسان عبء الاعتماد الكامل على نفسه. فليس مطلوبًا منه أن يعرف كل شيء، أو أن يسيطر على كل الظروف، أو أن يحمل هم المستقبل كله، وإنما المطلوب أن يأخذ بالأسباب، ثم يفوض أمره إلى الله، ويمضي واثقًا بحكمته ورحمته.
إن «ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين» ليست مجرد كلمات تتردد على اللسان، بل منهج حياة يربي القلب على الافتقار إلى الله في كل شأن. فمن تولى الله أمره كفاه، ومن استعان به أعانه، ومن فوض إليه أمره اختار له الخير، وإن تأخر على العبد إدراك الحكمة فيما اختاره له .


