مقالات

الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم 

  حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري 

  حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وعلى آله وصحبه ؛ ثمَّ أمَّا بعد :

أيها الإخوة القراء الكرام : إنَّ أعظم نعمة علينا أهل الإسلام هو بعثة الرسول الصادق الأمين صلوات ربي وسلامه عليه إلينا بهذا الدين العظيم بشيراً ونذيراً بين يدي الساعة ، وداعياً إلى الله باذنه وسراجاً منيراً ؛ وصدق الله تعالى إذ يقول : – هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ * وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ ۚ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * ذَٰلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ – الجمعة : 1-4 .

ومن شكر الله تعالى على نعمة هذا الرسول الكريم طاعته فيما أمر ، وتصديقه فيما أخبر ؛ واجتنابه ما نهى عنه وزجر ، وألا يعبد الله إلا بما شرع .

ومما أمر الله به لرسولنا صلوات ربي وسلامه عليه كثرة الصلاة والسلام عليه ؛ وخاصة في يوم الجمعة وليلتها ، وفي التشهد الأخير ؛ وإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإنا نصلي عليه صلوات ربي وسلامه عليه ؛ وكذلك نصلي ونسلم عليه عند دعائنا لربنا وتضرعنا إليه ؛ إلى غير ذلك من المواضع التي أمرنا فيها بالصلاة والسلام عليه ؛ كيف وقد قال الله تعالى : – إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا – الأحزاب: 56 وقال صلى الله عليه وسلم : – مَن صَلَّى عليَّ واحِدةً صَلَّى اللهُ عليه عَشرًا – رواه مسلم في صحيحه ؛ وقال صلى الله عليه وسلم : – إنَّ من أفضلِ أيَّامِكُم يومَ الجمعةِ ؛ فيهِ خُلِقَ آدمُ ، وفيهِ قُبِضَ ، وفيهِ النَّفخةُ ، وفيهِ الصَّعقةُ ؛ فأكْثِروا عليَّ منَ الصَّلاةِ فيهِ ؛ فإنَّ صلاتَكُم معروضةٌ عليَّ ؛ قالوا يا رسولَ اللَّهِ : وَكَيفَ تُعرَضُ صلاتُنا عليكَ ، وقد أرِمتَ – يقولونَ بليتَ – فقالَ : إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ حرَّمَ علَى الأرضِ أجسادَ الأنبياءِ – رواه أبو داود في سننه ، وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم 1047 وقال صلى الله عليه وسلم : – البخيلُ الَّذي مَن ذُكِرتُ عندَهُ ؛ فلم يصلِّ عليَّ – رواه الترمذي في سننه ، وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم 3546 .

أيها الإخوة القراء : وإذا صلى المسلم على رسولنا محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم بأي صيغةٍ من الصلاة جاز ذلك ، وأفضل الصلوات عليه الصلاة الإبراهيمية ؛ ففي صحيح البخاري رحمه الله من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه قال : سَألنا رَسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ؛ فقُلنا : يا رَسولَ اللهِ ، كيفَ الصَّلاةُ علَيكُم أهلَ البَيتِ ؛ فإنَّ اللهَ قد عَلَّمَنا كيفَ نُسَلِّمُ علَيكُم؟ قال : قولوا : اللهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ ، وعلى آلِ مُحَمَّدٍ ؛ كما صَلَّيتَ على إبراهيمَ ، وعلى آلِ إبراهيمَ ؛ إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ ؛ اللهُمَّ بارِك على مُحَمَّدٍ ، وعلى آلِ مُحَمَّدٍ ؛ كما بارَكتَ على إبراهيمَ ، وعلى آلِ إبراهيمَ ؛ إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ – .

معاشر القراء : ما معنى الصلاة على النبي صلى الله وسلم في شريعة الإسلام ؟ قال الْبُخَارِيُّ رحمه الله : – قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : صَلَاةُ اللَّهِ تعالى : ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْمَلَائِكَةِ ، وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ : الدُّعَاءُ – وَقَالَ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ : وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا : صَلَاةُ الرَّبِّ : الرَّحْمَةُ ، وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ : الِاسْتِغْفَارُ – وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري 28/2 بعد أن سرد أقوال العلماء في المراد بصلاة الله تعالى عليه ، وصلاة الخلق عليه : – وأولى الأقوال ما جاء في تفسير سورة الأحزاب عن أبي العالية : أنَّ معنى صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه وتعظيمه . وصلاة الملائكة ، وغيرهم ؛ طلب ذلك له من الله تعالى ؛ والمراد طلب الزيادة ؛ لا طلب أصل الصلاة – وقيل إنّ معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند جمهور العلماء : تكون من الله تعالى بالرحمة ، ومن الملائكة الاستغفار ، ومن الآدميين الدعاء .

ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث السابق : – اللَّهمَّ صَلِّ على محمَّدٍ – أي عَظِّمْه في الدُّنيا بإعلاءِ ذِكرِه ، وإظهارِ دِينِه ، وإبقاءِ شَريعتِه ، وفي الآخرةِ بإجزالِ مَثوبَتِه ، وتَشفِيعِه في أُمَّتِه ، وإبداءِ فَضيلَتِه صلى الله عليه وسلم بِالمقامِ المَحمودِ ، ولمَّا كان البَشَرُ عاجزينَ عن أنْ يَبلُغوا القدْرَ الواجبَ له مِن ذلك اليوم ، شُرِعَ لنا أنْ نُحِيلَ أمْرَ ذلك إلى اللهِ تعالَى بأنْ نَقولَ : – اللَّهمَّ صلِّ على محمَّدٍ – أي لأنَّك أنتَ العليمُ بما يَليقُ به مِن ذلكَ .

وقوله : – وعلى آلِ محمَّدٍ – والمرادُ : الأزواجُ ، ومَن حَرُمَت عليهم الصَّدَقةُ ، وتَدخُلُ فيهم الذُّرِّيَّةُ ، وقيل : يَشمَلُ أتباعَه المؤمنينَ .

وقوله : – كما صلَّيْتَ على إبراهيمَ ، وعلى آلِ إبراهيمَ – أي مِثلَ صَلاتِك على إبراهيمَ عليه السَّلامُ وآلِه ، وهمْ إسماعيلُ ، وإسحاقُ ، وذُرِّيَّتُهما المؤمنةُ .

وقوله : – إنَّكَ حَميدٌ – مَحمودٌ في ذاتِه ، وصِفاتِه ، وأفعالِه بألْسِنةِ خلْقِه ، مَجِيدٌ – أي عَظيمٌ كَريمٌ ، والمجيدُ صِفةُ مَن كَمَلَ في الشَّرَفِ .

وقوله : – اللَّهمَّ بارِكْ على محمَّدٍ ، وعلى آلِ محمَّدٍ ؛ كما باركْتَ على إبراهيمَ ، وعلى آلِ إبراهيمَ – أي أَثْبِتْ ، وأَدِم له ما أعْطيتَه مِنَ التَّشريفِ ، والكرامةِ ، وزِدْه مِنَ الكمالاتِ ما يَليقُ بكَ وبه ، وقيل : المرادُ بالبَرَكةِ هنا الزِّيادةُ مِن الخيرِ والكَرامةِ ، وقيل : المرادُ التَّطهيرُ مِن الذُّنوبِ ، والتَّزكيةُ ، والحاصلُ أنَّ المطلوبَ أنْ يُعطَى مِن الخيرِ أوفاهُ ، وأنْ يَثبُتَ ذلك ، ويَستمِرَّ دائمًا .

وقوله : – إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ – هذا تَذييلٌ للكلامِ السَّابقِ ، وتَقريرٌ له على سَبيلِ العُمومِ ؛ أي إنَّك حَميدٌ فاعلٌ ما تَستوجِبُ به الحمْدَ ؛ مِن النِّعَمِ المُتكاثِرةِ ، والآلاءِ المُتعاقِبةِ المُتواليةِ ، مَجيدٌ كَريمُ الإحسانِ إلى جَميعِ عِبادِك الصَّالحينَ ، ومِن مَحامدِك ، وإحسانِكَ أنْ تُوجِّهَ صَلواتِك ، وبَركاتِك ، وتَرحُّمَك على حَبيبِك نَبيِّ الرَّحمةِ ، وآلِه .

معاشر القراء : هذا ما أحببنا بيانه لكم بخصوص معنى الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وشيء من فضائلها ، والله نسأل حسن الاتباع له صلى الله عليه وسلم ؛ وأن يحشرنا في زمرته ، وأن يجعلنا من أهل شفاعته ؛ وأن يجمعنا به ، وبسائر النبيين ، والصالحين في جنته ، وأن ينجينا من عذابه يوم يبعث عباده ، ووالدينا ، ووالديهم ، وجميع المسلمين . اللهم امين .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬