من الأرقام إلى الأثر المملكة العربية السعودية تبني مستقبلًا تقوده البيانات

بقلم الكاتبة: د. عبير علي بدوي
في وطنٍ جعل الطموح منهجًا، والتحول مسارًا، والمستقبل هدفًا، أصبحت البيانات أحد أهم الأصول التي تُبنى عليها التنمية الحديثة. ولم يعد الإحصاء في المملكة العربية السعودية مجرد وسيلة لوصف الواقع بالأرقام، بل تطور ليصبح منظومة متكاملة لإنتاج المعرفة، وقياس الأداء، ودعم القرار، واستشراف المستقبل.
ومع مسيرة رؤية السعودية 2030، شهدت المملكة تحولًا متسارعًا في منظومة الإحصاء والبيانات والذكاء الاصطناعي، انتقلت معه من جمع البيانات وإنتاج المؤشرات إلى بناء منظومة وطنية متقدمة توظف البيانات في التخطيط وصناعة السياسات وتحسين الخدمات وتعزيز الابتكار.
وتبرز أهمية هذا التحول في حقيقة أن 66 هدفًا من أصل 96 هدفًا من أهداف رؤية السعودية 2030 ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالبيانات والذكاء الاصطناعي، وفق إحصاءات الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا).
الإحصاء الوطني.. أساس المعرفة وصناعة القرار
يشكل الإحصاء الرسمي أحد أهم مكونات البنية المعرفية للدولة؛ فمن خلاله يمكن قياس المتغيرات السكانية والاقتصادية والاجتماعية، ورصد الاتجاهات، وتحديد الفجوات، وتقييم أثر السياسات والبرامج.
وفي المملكة، تعزز هذا الدور من خلال تطوير منظومة الإحصاءات الرسمية وإتاحة البيانات والمؤشرات للمستفيدين والباحثين والجهات الحكومية والقطاع الخاص.
وهنا يكمن التحول الأهم: لم يعد السؤال كم يبلغ الرقم؟ بل ماذا يخبرنا الرقم؟ وكيف يمكن استخدامه لصناعة قرار أفضل؟
فالإحصاء الحديث لا يتوقف عند إنتاج المؤشر، وإنما يمتد إلى تفسيره وربطه بالمؤشرات الأخرى وتحليل الاتجاهات والتنبؤ بالنتائج المحتملة.
تعداد السعودية 2022.. حين أصبحت التقنية جزءًا من العملية الإحصائية
ولم يعد التعداد عملية ميدانية تقليدية فحسب، بل أصبح نموذجًا لتوظيف التقنيات الرقمية والبيانات الجغرافية ومصادر البيانات المختلفة في بناء صورة أكثر شمولًا للمجتمع السعودي.
وتكتسب هذه التجربة أهميتها من أن بيانات التعداد لا تُستخدم لأغراض إحصائية مجردة، بل يمكن أن تشكل قاعدة مهمة للتخطيط للخدمات، وفهم التوزيع السكاني، ودراسة احتياجات المناطق، ودعم التخطيط الحضري والتنموي.
وبذلك يصبح التعداد أداةً للتخطيط للمستقبل، وليس مجرد عملية لحصر السكان والمساكن.
البيانات المفتوحة.. من الإتاحة إلى الابتكار
من أبرز التحولات التي شهدتها المملكة تعزيز مفهوم البيانات المفتوحة، باعتبارها وسيلة لرفع الشفافية، وتحفيز البحث والابتكار، وإتاحة البيانات أمام المجتمع والقطاع الخاص والمؤسسات الأكاديمية.
وقد أطلقت سدايا استراتيجية للبيانات المفتوحة تستهدف تعزيز الشفافية والابتكار، ورفع جودة البيانات، ودعم اتخاذ القرار والبحث والابتكار، إلى جانب تطوير المنتجات والتطبيقات والحلول القائمة على البيانات.
وظهر أثر هذه الجهود في نتائج تقرير مخزون البيانات المفتوحة ODIN لعام 2024؛ إذ تقدمت المملكة إلى المرتبة 41 عالميًا من بين 197 دولة، متقدمة 28 مرتبة مقارنة بتقييم عام 2022، كما ارتقت من المرتبة 15 إلى المرتبة 9 بين دول مجموعة العشرين. وفق ما أعلنته الهيئة العامة للإحصاء استنادًا إلى تقرير منظمة Open Data Watch.
وهذه الأرقام لا تمثل مجرد ترتيب دولي، بل تعكس تطورًا في جانبين مهمين: تغطية البيانات الرسمية وسهولة الوصول إليها واستخدامها.
بنك البيانات الوطني.. خطوة نحو التكامل
من أهم ملامح المرحلة الجديدة الانتقال من التعامل مع البيانات باعتبارها جزرًا منفصلة إلى تعزيز التكامل بينها.
وتوضح سدايا أن بنك البيانات الوطني شهد تكامل أكثر من 360 نظامًا حكوميًا في بحيرة البيانات، وإضافة أكثر من 370 نظامًا حكوميًا إلى المؤشر الوطني للبيانات، بما يعكس اتساع نطاق البنية الوطنية للبيانات وتكامل مصادرها.
ويكتسب هذا التكامل أهمية كبيرة؛ لأن قيمة البيانات لا تتضاعف بمجرد زيادة حجمها، وإنما تزداد عندما يمكن ربطها وتحليلها واستخراج العلاقات والأنماط منها.
فبيانات التعليم، مثلًا، يمكن أن تكتسب قيمة تحليلية أكبر عند ربطها ببيانات سوق العمل، وبيانات السكان، والبيانات الاقتصادية والجغرافية؛ وعندها يصبح بالإمكان الانتقال من وصف الظاهرة إلى فهم أسبابها واستشراف اتجاهاتها.
من تحليل البيانات إلى الذكاء الاصطناعي
يمثل الذكاء الاصطناعي امتدادًا طبيعيًا لمسيرة التحول القائم على البيانات.
فالبيانات هي المادة الخام، والإحصاء يوفر أدوات القياس والتحليل، بينما يضيف الذكاء الاصطناعي قدرات متقدمة في اكتشاف الأنماط والتنبؤ والأتمتة ودعم القرار.
ولهذا تضمنت الأهداف الاستراتيجية لسدايا تعزيز بنك البيانات الوطني وتقديم التحليلات الداعمة لاتخاذ القرار، إلى جانب بناء القدرات الوطنية في البيانات والذكاء الاصطناعي، وتحفيز نمو القطاع والاستثمار فيه.
كما تستهدف الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي بناء أكثر من 20 ألف متخصص وخبير في البيانات والذكاء الاصطناعي، وجذب استثمارات تقارب 75 مليار ريال في المجال، إلى جانب دعم ريادة الأعمال وخلق أكثر من 300 شركة ناشئة في البيانات والذكاء الاصطناعي ضمن مستهدفاتها الاستراتيجية.
وهذا يكشف أن التحول لا يتعلق بالتقنية وحدها، بل ببناء اقتصاد معرفي متكامل يعتمد على البيانات والمهارات والاستثمار والبحث والابتكار.
من قياس الأداء إلى قياس الأثر
أحد أهم التحولات التي تفرضها منظومة البيانات الحديثة هو الانتقال من التركيز على قياس النشاط إلى قياس النتيجة والأثر.
فليس المهم فقط معرفة عدد البرامج المنفذة أو عدد المستفيدين، وإنما معرفة ما الذي تغير نتيجة هذه البرامج.
وهذا النوع من التحليل يمثل مستقبلًا مهمًا للعمل الحكومي؛ إذ يمكن استخدام البيانات والإحصاء لتقييم كفاءة البرامج، وقياس أثر المبادرات، واكتشاف جوانب التحسين، وتوجيه الموارد إلى المجالات ذات العائد الأعلى.
ومن هنا يصبح الإحصاء شريكًا في الحوكمة، وليس مجرد وظيفة فنية لإعداد الجداول والتقارير.
الإنسان السعودي.. الثروة الحقيقية وراء البيانات
رغم أهمية المنصات الرقمية والبنية التحتية والخوارزميات، تبقى الكفاءة البشرية العنصر الحاسم في تحويل البيانات إلى قيمة.
ولهذا وضعت الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي بناء القدرات الوطنية المتخصصة ضمن محاورها الأساسية، بما يعكس أهمية الاستثمار في الكفاءات القادرة على التعامل مع البيانات وتحليلها وتوظيفها بصورة مسؤولة وفعالة.
فالمستقبل لا يحتاج فقط إلى علماء بيانات ومبرمجين، وإنما يحتاج كذلك إلى إحصائيين، وباحثين، ومحللي أعمال، ومتخصصين في القياس والتقويم، وخبراء حوكمة، وقادة قادرين على قراءة البيانات وترجمتها إلى قرارات.
المملكة.. نحو مجتمع يقيس مستقبله
إن ما تشهده المملكة في مجال الإحصاء والبيانات ليس تحولًا تقنيًا منفصلًا، بل جزء من تحول وطني أوسع في طريقة إدارة التنمية.
فمن الإحصاءات الرسمية إلى التعداد الرقمي، ومن البيانات المفتوحة إلى بنك البيانات الوطني، ومن التحليل الإحصائي إلى الذكاء الاصطناعي، تتشكل منظومة متكاملة تجعل البيانات عنصرًا أساسيًا في فهم الواقع واستشراف المستقبل.
وقد حددت الاستراتيجية الوطنية للبيانات والذكاء الاصطناعي طموحًا واضحًا يتمثل في جعل المملكة ضمن الاقتصادات الرائدة القائمة على البيانات والذكاء الاصطناعي، مع استهداف الوصول إلى مراتب متقدمة عالميًا في مجالات الذكاء الاصطناعي والبيانات المفتوحة والبحث والابتكار.
في اليوم الوطني.. نحتفي برقم يحكي قصة وطن
في اليوم الوطني السعودي الـ96، لا نحتفي بالأرقام لمجرد كونها أرقامًا، وإنما بما تحمله من قصص نجاح، وما تعكسه من قدرة وطن على التخطيط والقياس والتحسين.
فكل مؤشر إحصائي موثوق هو نافذة لفهم واقعنا.
وكل قاعدة بيانات متكاملة هي فرصة لقرار أفضل.
وكل تحليل دقيق هو خطوة نحو تنمية أكثر كفاءة.
وكل نموذج تنبؤي ناجح هو استعداد أفضل للمستقبل.
وهكذا تتحول البيانات من أرقام صامتة إلى لغة تتحدث بها التنمية، ومن الإحصاء إلى معرفة، ومن المعرفة إلى قرار، ومن القرار إلى أثر.
وفي وطنٍ جعل المستقبل هدفًا، أصبح من حق الأرقام أن تحكي قصة الإنجاز، ومن حق البيانات أن تكون جزءًا من صناعة المستقبل.
دام عزك يا وطن.. ودامت مسيرتك نحو مستقبلٍ يُبنى بالعلم، ويُقاس بالبيانات، ويُصنع بالإنسان.




