Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
مقالات

بين الغضى والثَّمام

بقلم الكاتبة:سماح الإدريسي

بقلم الكاتبة:سماح الإدريسي

أيّ سر يدفنه ثرى الأوطان ؟يقبله العائد كأنه يقبل ملامح آبائه وبقايا ذكرياته؟ ولماذا يستنشق هواها ربيعا ، ويحبسه في صدره أسيرا ، يلاحق أخبارها ويستنطق أسرارها كفراشة تتعطش رحيق إبريل ! ذلك أن الأرض هي السلطان المتباهي، وهي شيخ القبيلة الآمر الناهي، خفيّ، لا يُرى عرشه، ولكن تُرى هيبته وسطوته في الوجوه والأصوات والطباع ، و الموروث والطعام واللباس واللهجات، فساكنو البحر ليسوا كساكني الصحراء، ولا أهل الجبال كالوديان، ولا أهل الشرق كالغرب، لاالعيون ولا الأصوات ولا الألوان، حتى القلوب والنوايا، حتى الأساطير والحكايا، بل حتى الحب والوفاء بين الخلان. ومكة حصرا لا كغيرها من الأوطان، فهي البلد الحرام والبلد الأمين، وهي مكة وبكة وأم القرى والبيت العتيق، وقيل أنها معاد وأم البلاد ووادي إبراهيم، وكل من على هذه البسيطة بها يهيم ، جاءها إبراهيم من صلب آزر ومن رحم بابل ، واختار هاجر المصرية لتكون أما ،ومكة لتكون أرضا ، فأورث أهلها تاريخا كلدانيا ، وملامح نيلية ،ونسبا نبويا إلى قيام الساعة . لم تزل مكة حاضرة في ترانيم الأولين والآخرين ، يشهد على حبي لها منطقي الذي لم يتأثر رغم السنين، من يعش في مكة فسيرى اختلافا كثيرا سيعرف قيمة الظل ومعنى الالتفاف ودفء الصخر، سيرِقُّ لسانه ويطرى بنانه ويستقر جنانه. و إن خالط أهلها فاحت أطباعُه عطرا هنديا ثمينا ، وتوسدت صدرَه حكمةٌ يمانية بالغة ،وتضلّع زمزما أبديا لاينضب ولايتبدل ، ينام ليلتَه فيها فيصبح شاميّ الهوى بصْريّ المنطق ، مِصريّ اللسان ، ويمسي أمةً في إنسان ، عظيمة انت يامكة مهبط الملاك جبريل، ومسقط رأس القرشي محمد ﷺ ووطن الرومي صهيب، والحبشي بلال، جمعتِ العوالم ونلتِ الحظوظ ، سجادك تركي ،وبلاطك يوناني، وطيب الحجر الأسود والملتزم موروكي، وإن زرت أسواقها فعنبر وعود وتوابل وحبهان ؛ ومسك وعسجد وحرير وزعفران ، هذا وقد حكى لنا تقيُّ الدين المقريزي فيما كان يا مكان ، عن تجار الكارِميّة الذين مروا زمانا من هنا ، فبيعت ثيابهم في اسواقنا ، وتبادل لغاتهم ابناؤنا.

ولما قدم أصيل الهذلي إلى المدينة سألته عائشة رضي الله عنها عن مكة فوصف جمالها قائلا: عهدتها والله قد أخصب جنابها، وابيضت بطحاؤها، وأعذق إذخرها، وأسلب ثمامها وأمشر سلمها»، فقال له المصطفى ﷺ «حسبك يا أصيل، دع القلوب تقر» 

عجيبٌ أمرها أرضي

فكم تعطي وكم ترضي

وإن غدروا وإن طعنوا

فعنهم سمعها تغضي

وتُرخي طرْفها حِلماً

وتعفو قبل أن تقضي

شوارعها بساتينٌ

أزقّتها كمالروضِ

هواها رحمة تغشى

بلون سحابها الفضي

حنيني كلما ذُكرتْ

يدق بفأسه نبضي

أواحزَني أواأسفي

وواشجني على بعضي

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬