مقالات

حدِّث العاقل بما يعقل

بقلم الكاتبة : فاطنة عواجي

بقلم الكاتبة : فاطنة عواجي

ليس كل إنسان يحتاج نصيحة… بعضهم يحتاج فقط شخصًا يفهمه .. هناك كلمات تبقى حية رغم مرور السنين، لأنها لم تُولد لزمنٍ معين، بل خُلقت لترافق الإنسان أينما كان. ومن أجمل ما ورثناه من حكم الأوّلين قولهم:

“حدِّث العاقل بما يعقل.”

عبارة قصيرة، لكنها تختصر حكايات طويلة من الفهم، وسوء الفهم، والخذلان، والاختلاف، والعلاقات التي انتهت لأن أحدهم لم يدرك أن الناس لا يرون الحياة بالعين نفسها.

فليس كل من يسمعك يفهمك، وليس كل من يفهم كلماتك يدرك مشاعرك، وليس كل من يوافقك الرأي يشاركك الإحساس.

كم من شخص كان يحمل في قلبه جبالًا من التعب، فلم يجد من يفهمه. وكم من إنسان حاول أن يشرح ما يؤلمه، فزادوه ألمًا بدل أن يخففوه. ليس لأنهم سيئون، بل لأنهم لم يعيشوا ما عاشه، ولم يشعروا بما شعر به.

العاقل لا ينظر إلى الكلمات وحدها، بل يقرأ ما خلفها. يسمع الصمت كما يسمع الحديث، ويدرك أن بعض الابتسامات تخفي حزنًا عميقًا، وأن بعض العبارات العادية هي في الحقيقة استغاثات مكتومة.

وفي هذا الزمن، أصبح كثيرون يتحدثون أكثر مما ينصتون، ويحكمون أكثر مما يفهمون، وينتقدون أكثر مما يقدرون الظروف.

نرى شخصًا يضحك فنظنه سعيدًا، ونرى آخر صامتًا فنظنه متكبرًا، ونرى من تأخر في طريقه فنحكم عليه بالفشل، بينما الحقيقة أن خلف كل إنسان قصة لا نعرفها، ومعركة لا نراها، ووجعًا لا يتحدث عنه.

لقد أصبح العالم مليئًا بالكلمات، لكنه يفتقر إلى الفهم.

وأصبح الناس يبحثون عن من يسمعهم، لا عن من يرد عليهم.

فالكلمة التي تخرج من عقلٍ واعٍ تصل إلى القلب، أما الكلمات التي تُقال دون فهم فقد تترك جرحًا لا يراه أحد.

لذلك كان الحكماء يعرفون أن لكل مقام مقالًا، ولكل إنسان لغة يفهمها، وأن النجاح في الحديث ليس بكثرة الكلام، بل بقدرتك على الوصول إلى روح من أمامك.

وما أجمل الإنسان حين يختار أن يفهم قبل أن يحكم، وأن يلتمس العذر قبل أن يلوم، وأن يرحم قبل أن ينتقد.

فربما الكلمة التي تراها بسيطة تنقذ قلبًا مثقلًا بالهموم، وربما الحكم السريع الذي أطلقته يهدم ما تبقى في نفس شخصٍ يقاوم بصمت.

لهذا لم تكن الحكمة يومًا في كثرة المعرفة، بل في معرفة متى نتحدث، وكيف نتحدث، ولمن نتحدث.

وهنا تتجلى عظمة تلك العبارة التي تجاوزت الأزمنة:

“حدِّث العاقل بما يعقل، فإن العقول أبواب، ومفتاح كل باب ليس كغيره.”

الخاتمة

في النهاية، تذكروا أن الناس لا يحتاجون دائمًا إلى من يعطيهم الحلول، بقدر حاجتهم إلى من يفهم ما بداخلهم. فكم من قلبٍ أنهكه التعب وهو يبتسم، وكم من روحٍ تصرخ في صمتٍ لا يسمعه أحد.

كونوا لطفاء في أحكامكم، رحماء في كلماتكم، قريبين من مشاعر الآخرين، فالدنيا أثقلت الجميع بما يكفي.

ولعل أجمل ما نهديه لبعضنا في هذا الزمن ليس الكلام الكثير، بل الفهم العميق، والاحتواء الصادق، والشعور بالآخرين قبل الحكم عليهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬