مقالات

العلم والفلسفة بين كيف ولماذا ؟!

بقلم: د. مشاعل الغفيلى

بقلم: د. مشاعل الغفيلى

العلم والفلسفة لا يقفان على طرفي نقيض، بل يتحركان في مسارين متكاملين نحو الفهم. فالعلم يمنح الإنسان معرفة دقيقة بكيفية عمل العالم، ويكشف القوانين والآليات التي تنتظم بها الظواهر، بينما تمنحه الفلسفة وعيًا أعمق بمعنى هذا العالم، وحدود معرفته، ودلالة وجوده. العلم يشرح الكيفية، والفلسفة تسائل المعنى؛ العلم يضيء للعقل طريق التجربة والبرهان، والفلسفة تفتح أمامه أفق التأمل والحكمة , العلم طبيعة، والفلسفة ما وراء الطبيعة لأن العلم يشتغل بما يظهر أمامنا في العالم وكل ما يمكن ملاحظته أو تجربته أو قياسه. أما الفلسفة فلا تقف عند حدود الملاحظة بل تتجاوزها إلى السؤال عن معناها، وعلّتها، وغايتها، وحدود معرفتنا بها. العلم يسأل: كيف يحدث الشيء؟ أما الفلسفة فتسأل: لماذا يحدث؟ وما معناه؟

من هنا نتساءل عن عبارة مارتن هايدغر (العلم لا يفكّر) في كتابه (في الشيء الذي يخص التفكير)

ما الذي نعنيه بالتفكير ؟ فبأيّ معنى يستوي القول أنّ العلم لا يفكّر؟ هل يفهم من ذلك أنّ العلم معرفة موضوعيّة منحصرة في تفسير الظواهر الطبيعيّة وحدود معرفتها حدود التجربة ليس إلاّ، ولا شأن لها بالتّفكير بما هو تأويل، ألا يعدّ ذلك حقيقة تجاوزا على العلم و حدود معرفته؟؟

هل كان هايدغر يركز على إثبات ان العلم لايدرس البنية الداخلية لاي من العلوم مثلا إنشتاين عندما درس ظاهرة مادية كالضوء. لم يدرس البنية الداخلية للفيزياء او ان ماهية العلم أنه يتوقف على ما تفكر فيه الفلسفة من جهة، وأنه من جهة أخرى، يتناسى ذلك ويُهمل ما يستدعي أن يكون محط تفكير فالعلم يحسب، ويقيس، ويجرّب، ويفسّر، لكنه لا يتوقف دائمًا عند سؤال الوجود نفسه: ما معنى أن يكون الشيء موجودًا؟ وما معنى أن نفهم؟ وما حدود هذا الفهم؟ أن العلم لا يشتغل في إطار الفلسفة، إلا أنه، ومن غير أن يعلم، ينْشدّ إلى ذلك الإطار. فعلى سبيل المثال: إن الفيزياء تشتغل على المكان والزمان والحركة. إلا أن العلم، بما هو كذلك، لا يمكنه أن يحدّد ما الحركة، وما المكان، وما الزمان

ومن هنا يمكن فهم عبارة «حرب الفهم بين كيف ولماذا». فالإنسان لا يكتفي بأن يعرف كيف تحدث الأشياء، بل يتطلع أيضًا إلى فهم لماذا تحدث، وما المعنى الكامن خلفها. سؤال «كيف» يقودنا إلى النظام والقانون والسبب المباشر، أما سؤال «لماذا» فيقودنا إلى الغاية والدلالة والحكمة. العلم يسأل: كيف يعمل العالم؟ والفلسفة تسأل: لماذا يوجد العالم؟ وما معنى وجود الإنسان فيه؟ وبين هذين السؤالين تتشكل رحلة الوعي الإنساني الكبرى.

لذلك، من المغالطة أن يقال إن العلم لا يفكر؛ إذ لا وجود لعلم بلا تفكير. فكل معرفة علمية هي ثمرة عقل منهجي، وملاحظة منظمة، وتجربة مضبوطة، واستدلال قائم على الدليل. العلم يفكر بطريقته، كما تفكر الفلسفة بطريقتها، غير أن طبيعة التفكير في كل منهما تختلف. فإذا كانت الفلسفة تمتاز بعمق السؤال واتساع التأمل، فإن العلم يمتاز بدقة المنهج وقوة البرهان وقابلية التحقق.غير أن المطلوب من العلم ليس أن يفكر كما تفكر الفلسفة، ولا المطلوب من الفلسفة أن تتحول إلى علم تجريبي. فلكل منهما مجاله وأدواته وأسئلته. العلم ينشغل بالظواهر القابلة للملاحظة والقياس والتجربة، أما الفلسفة فتنشغل بالمعنى والوجود والغاية وحدود المعرفة. وهذا الاختلاف لا يعني الانفصال، بل يكشف حاجتهما المتبادلة؛ فالعلم يحتاج إلى الفلسفة كي يراجع مفاهيمه، ويدرك حدوده، ويتأمل آثاره الأخلاقية والإنسانية، والفلسفة تحتاج إلى العلم كي تظل متصلة بالواقع ومعطيات التجربة، فلا تتحول إلى تأمل مجرد بعيد عن العالم.

وعليه، فالتفكير ليس امتيازًا خاصًا بالفلسفة وحدها، بل هو جوهر كل معرفة جادة. هناك تفكير علمي يقوم على التجربة والبرهان، وتفكير منطقي يقوم على الاستدلال وضبط المفاهيم، وتفكير فلسفي يسائل المعنى والوجود والغاية. ومن ثمّ، فإن العبارة الأدق ليست أن «الفلسفة تفكر والعلم لا يفكر»، بل أن العلم يفكر بمنهجه، والفلسفة تفكر بأفقها، ولا يكتمل فهم الإنسان للعالم إلا حين يلتقي المنهجان في وعي واحد دقة العلم وعمق الفلسفة.

الفلسفة في القرآن

————-

الفلسفة في القرآن حاضرة بوصفها فعلًا عميقًا من أفعال العقل: التفكر، والتدبر، والنظر، والاعتبار، والسؤال عن المعنى. فالقرآن لا يريد من الإنسان أن يعيش في العالم عابرًا بلا وعي، بل يدعوه إلى أن يرى ما وراء الظواهر، وأن ينتقل من مشاهدة الأشياء إلى فهم دلالتها. العقاد في كتاب ( الفلسفة القرانية ) يستعرض أهم المباحث الفلسفية التي ناقشها الفلاسفة القدامى، وعالجها القرآن في محكم آياته؛ مبينًا وجهة النظر القرآنية فيها ومدللا أن العقيدة الدينية هي فلسفة الحياة التي يعتنقها المؤمنون، وليس أدل على العقيدة الإسلامية من القرآن الكريم فالقرآن يسأل الإنسان عن الوجود: من أين جاء؟ ولماذا خُلق؟ وإلى أين المصير؟ وهذه هي الأسئلة الكبرى التي قامت عليها الفلسفة منذ بداياتها. لكنه لا يتركها معلّقة في الفراغ، بل يربطها بالتوحيد، وبمعنى العبادة، وبمسؤولية الإنسان في الحياة. حين يقول القرآن: ﴿أَفَلَا يَتَفَكَّرُونَ﴾، و﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾، و﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾، فهو لا يطلب إيمانًا غافلًا، بل يوقظ العقل من السكون، ويدفعه إلى التأمل في النفس والكون والتاريخ والمصير. لذلك يمكن القول إن القرآن لا يعادي السؤال، بل يهذّبه؛ ولا يلغي العقل، بل يرشده ولا يكتفي بالمعلومة، بل يطلب الحكمة.

والفلسفة القرآنية لا تقف عند سؤال: كيف يحدث الشيء؟ بل تتجاوزه إلى سؤال: لماذا يحدث؟ وما الغاية منه؟ فالعلم يدرس حركة الشمس والقمر، أما القرآن فيلفت النظر إلى أن هذا النظام ليس عبثًا، بل آية على الحكمة والتقدير. والعلم يدرس الإنسان جسدًا ووظائف، أما القرآن فيسأل عن روحه، وأمانته، واختياره، ومسؤوليته الأخلاقية.

ومن هنا تلتقي الفلسفة مع القرآن في طلب الفهم، لكنها تختلف عنه في المصدر والغاية. فالفلسفة البشرية تبحث بعقل الإنسان وحده، وقد تصيب وقد تضل، أما القرآن فيجعل العقل يعمل تحت نور الوحي؛ فلا يكون العقل معطّلًا، ولا يكون متروكًا وحده في متاهة المعنى بل يؤسس لفلسفة عميقة للحياة أن الوجود صنع الخالق وأن الإنسان هوالمخلوق المستخلف في الارض وأن المعرفة لا تكتمل بلا أخلاق، و العقل لا يبلغ نضجه إلا حين يقوده إلى الحكمة والوعي والمعرفة الكاملة .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬