مقالات

بيت ستي

بقلم : د. رغدة الإدريسي

بقلم : د. رغدة الإدريسي

كان لبيت ستي رحمها الله فناء رحبٌ واسع، تحيط به المزروعات والورود من كل جوانبه، تتوسطه شجرة عملاقة، عريضة الجذع، كنا نختبئ خلف جذعها فلا يرانا الواقف من الجهة المقابلة، كانت جذورها ثخينة وقوية، لدرجة أنها اقتلعت البلاط حولها، فامتدت إلى مسافة واسعة، مظللة المكان بفروعها الضخمة، ومزينة الأرض بأوراقها المسّاقطة.

كان الفناء واسعا لدرجة أنني كنت أركض من باب الشارع قاطعة الفناء متجهة إلى باب بيتها الداخلي في مدة لم أكن أعرف حسابها، ولكنها كانت مدة طويلة، كانت طويلة لأنها معبأة بالأشواق والفرح والسعادة والدفء، التي يغمرنا بها ذلكم البيت.

كانت يد ستي خضراء كما يقال، أي أن الزرع يحب يدها، وينمو ويزدهر بعنايتها، كنت أستيقظ كل صباح معها، فتأخذني في جولة تمتد ساعة أو ساعتين، تسير فيها بخطاها المتئدة، متجهة إلى الفناء الكبير، تسقي زرعاتها واحدة واحدة، وتشذّب بيديها ما يحتاج إلى تشذيب، وتقطع عودا من هذه لتقوّم جذع تلك، وتقسم سعفة لتربط بها فروع أخرى، وتقطف لي وردة، ولنفسها ريحانا تضعه خلف أذنها.

كنت أسير معها في هذه النزهة الصباحية وأغني أغنية ظلت تذكرني بها إلى أن أنجبت ابني: يا شجرة يا عصفورة، أظل هكذا أكررها ملحنة إياها بلحن طفولي مميز، فتردّ عليّ وهي تغنيها معي، كنت أساعدها في نقل خرطوم المياه من حوض إلى حوض، أو اناولها كيس طعام الطيور والحمام، كانت تكلم نباتاتها، وتوبخ ديوكها، وتهدد ذكور الحمام، ثم إذا انتهت جولتنا، نعود إلى الداخل فتعد لي كوبا من الشاي والحليب، وساندويتشا تسيل منه الجبنة، وتحمّص لنفسها قرص خبز أسمر وتغلي كوبا من القهوة، ونجلس أنا وهي نفطر معا بهدوء وسكينة، لقد كانت تلك أسعد أيامي.

فإذا حل صيف مكة اللاهب، تحولت الجولة الصباحية لفترة قبيل المغرب، ولكنها لم تكن بنفس المتعة، فقد كان يقاسمنيها أطفال العائلة، وتكون ستي ملتهية في الحديث مع نساء العائلة اللائي يشربن القهوة في الفناء، أو يشغلني عنها اللعب مع البنات والركض حول الفناء ونخيله وشجره، ولعب الغميضة والاختباء خلف شجرة الباحة الضخمة.

أما بيت ستي من الداخل فكان فيه مجلس كبير جدا، طالما ضم ولائم العيد، وعقائق المواليد، وعقود قران الأزواج، وكان ينقلب فندقا فاخرا في الإجازات والأعياد، تُمدُّ فيه الفرش والأغطية، هو ومجلس آخر أصغر منه قليلا، كان يمتد على جداره الكامل، دولاب حديدي عميق، يحوي مستلزمات مبيت 30 شخصا كاملة، بفرشها وألحفتها ووسائدها، فالباب مفتوح لمن أحب أن يبات مع الجماعة.

كان يدير هذا الفندق المتواضع ستي رحمها الله، فلا أتذكر أنها تذمرت يوما من الفوضى التي تحل ببيتها، ولا أكواب العصير التي تسكب على بساطها، ولا قهقهاتنا نحن البنات الساهرات بجوار غرفتها إلى الثامنة صباحا، كانت دائما أول المستيقظين، تُعِدّ قدرا ضخما من الغداء، وبرادا كبيرا من الشاي، ويظل في المطبخ لمن يستيقظ جائعا، بينما تظل هي في الصالة ترشف قهوتها بتأنٍّ، وتتابع تلفازها أو تستمع إلى الراديو، وكلما استيقظ أحدنا قالت له: الطعام جاهز، لاتذهب لبيتك قبل أن تتغدى.

كانت ستي رحمها الله تخيط لكل ثيابها جيوبا، تضع فيها مفاتيحها، وتملؤها بالنقود بمختلف الفكات، فلابد أن تضع في يد كل زائر أو حفيد مبلغا ما، وكانت أيضا تضع فيها مقصا وحفارة وأدوات الزراعة لجولاتها الزراعية، وظلت إلى أن شارفت على التسعين من عمرها، تطبخ طعامها بيدها، وتعد قهوتها، وتغسل ملابسها، وتقوم بشؤونها بنفسها.

كانت تحب الضحك والمزاح، وتخلق من كل حادث نكتة، وتسترجع لكل حدث حكاية، كانت حكاياتها لا تنتهي، وطرائفها لا تعد، وكانت تفرد ذراعيها كل ليلة لي ولأختي لننام عليها، وهي تحكي لنا قصصا خيالية فانتازية، وربما تغفو خلالها، فأهزها قائلة: ستي كملي، فتكمل، وأحيانا يغلبها النوم هي وأختي، وأظل أنا ساهرة في الظلام، أتخيل شماعة الملابس أشباحا يتربصون بي، وظل النخل في النافذة أيادي وحوش تنقضّ عليّ، فألفُّ وجهي لحضنها وألتصق بها، وسرعان ما أغرق في النوم، وفي الصباح عندما توقظني لجولتنا الزراعية أقول لها: ستي لقد خفت البارحة من هذه الشماعة ومن ظل النخيل، فتضحك بقوة، وتقول: اليوم ساعديني في الزرع وستتعبين في الليل وتنامين فورا ولن يخيفك شيء.

في آخر عمرها ضعف بصرها وجرحت يدها عدة مرات أثناء العناية بالزرع، وحذرها الأطباء لإصابتها بالسكري، فصارت تتجنب لمسه، وتكتفي بجولاتها لسقيه فقط، ثم تزوجنا ورحلنا، ولكن ظلت أسعد الأيام عندما نزورها بين فترة وأخرى.

توفيت ستي رحمها الله، وهجرنا بيتها، وعدنا إليه بعد عدة سنوات لِأمرٍ ما.. ذهلت عندما دخلته، لقد اكتشفت أن الفناء صغير وقصير، والشجرة الضخمة لا يتعدى عرض جذعها شبرا، ووصلت من باب الشارع لباب بيتها الداخلي في ثوان، وكان المجلس الذي تقام فيه كل مناسبات وولائم العائلة صغيرا جدا، والصالة التي كانت تجلس فيها ترتشف قهوتها ونتحلق حولها، لا يتعدى عرضها مترين وطولها 3 أمتار ، كان البيت موحشا وضيقا وخانقا، كيف؟ كيف صورت لي عيون الطفولة أن المكان شاسع والشجرة عملاقة؟ كيف كان يكفي هذا البيت عدة عوائل تقيم فيه أسبوعا وأكثر؟ لقد توفيَت رحمها الله وأنا في الرابعة والعشرين من عمري، كيف لم أنتبه؟ كيف لم يتذمر أحد من ضيق المكان؟ من ضيق المساحة؟ من الحشرات في الفناء؟ من الماء الضعيف في الصنبور؟ من الإضاءة البيضاء في السقف؟ من هدير التكييف؟ لقد كانت هي روح البيت، ورحابة المجلس، ووسع المكان، وظل الفناء، أحببناها فأحببنا كل ماحولها وما معها وما عاشت فيه، لم يكن بيت ستي بيتا، لقد كان وطنا عشنا فيه أجمل الذكريات وأحلاها، رحمك الله يا ستي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬