الأربعون… عمر الكمال

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
وصلتُ الأربعين، ولم أصل إليها كما كنت أتخيل. لم أحمل معي كل الأحلام التي رسمتها في صغري، لكنني حملت شيئًا أثمن منها… حملتُ نفسي بعد أن نجوت بها من عشرات المعارك التي لم يكن يراها أحد.
ابتسمتُ للأربعين، لا لأن الحياة أصبحت سهلة، بل لأنني أدركت أن القوة ليست في ألا تسقط، وإنما في أن تنهض كل مرة وكأن شيئًا لم يكن.
ولم يكن عبثًا أن يذكر الله سن الأربعين في كتابه الكريم، فقال سبحانه: ﴿حَتّىٰ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾. فهي ليست مجرد سنوات تُعد، بل مرحلة يكتمل فيها العقل، وتنضج فيها الروح، ويصبح الإنسان أكثر قدرة على فهم الحياة كما هي، لا كما كان يتمنى أن تكون.
قبل الأربعين، نطارد الناس كثيرًا، ونحاول أن نرضي الجميع، ونغضب لأشياء صغيرة، ونؤجل سعادتنا حتى تتحقق أمنياتنا.
أما بعد الأربعين، فتتغير المعادلة كلها.
تصبح راحة القلب أهم من ضجيج العلاقات، والصحة أغلى من المال، والوقت أثمن من أن يُهدر في إقناع من لا يريد أن يفهمك. تدرك أن بعض الخسارات كانت رحمة، وأن بعض الأبواب التي أُغلقت في وجهك كانت تنقذك من عمرٍ كامل من التعب.
في الأربعين، تتذكر الليالي التي بكيت فيها وحدك، والأيام التي حملت فيها همومًا فوق طاقتك، والأشخاص الذين رحلوا، والأحلام التي تأجلت، والخذلان الذي غيّر ملامحك، والفرح الذي زارك سريعًا ثم مضى.
تتذكر أنك كنت في كل مرة تظن أنها النهاية… ثم تكتشف أنها كانت بداية جديدة.
الأربعون لا تعني أن العمر بدأ يشيخ، بل تعني أن الروح بدأت تعرف الطريق. لم تعد تنبهر بكل شيء، ولم تعد تنكسر من كل شيء. أصبحت ترى الناس بقلوبهم لا بكلماتهم، وتعرف أن الحياة لا تمنح أحدًا كل ما يريد، لكنها تمنح الصابرين ما يستحقون.
إنها السن التي تتصالح فيها مع نفسك، وتسامح أخطاءك، وتدرك أن أجمل إنجاز حققته ليس بيتًا بنيته، ولا مالًا جمعته، ولا منصبًا وصلت إليه… بل أنك ما زلت قادرًا على الابتسام رغم كل ما مر بك.
فإن كنت قد بلغت الأربعين، فلا تحزن على ما فات، ولا تخشَ ما هو آتٍ.
ابتسم…
فقد تجاوزت من المعارك ما كان كفيلًا بأن يُسقط غيرك، ووصلت إلى مرحلةٍ أصبحت فيها أكثر حكمة، وأهدأ قلبًا، وأقرب إلى الله.
وما بقي من العمر بإذن الله… أجمل مما مضى، إذا امتلأ بالإيمان، والرضا، وحسن الظن بالله.




