ولابد من كلمة قبيل انتهاء شهر ذي الحجة!

بقلم: د.لينة بنت حسن عزوز
أيام شهر ذي الحجة بصياغتها الشرعية وتقاسميها المضيئة هي في وجدان المؤمنين أيامٌ خيطت من حرير ، والنص في توصيفها مشغولٌ بعناية شعورية فائقة؛ حيث ولا ريب أن هذه الأيام مقدرةٌ بقدرها من التخلية فالتحلية، والتزكية والتربية،ومراوغةٍ بين صعود الذات وهبوطها، وإقبالها وإحجامها،حقاً هي أبعد من أن تكون أيام محصورة بعدد، فهي أعمق في الهدف والمرمى والمحتوى والمقصد!
أيام صقلٍ وعزمٍ وبناءٍ وتعزيزٍ للنوع الإنساني المؤمن ..
فوق ثرى مِنى تدريبات مكثفة على مجابهة الحياة وماجرياتها بشكل أفضل وأكمل ..
وفي خيامها تعزيزات إيمانية للخروج إلى العالم بمحتوىً رصين متين أمين ..
وفي أزقتها ملابسات ومناورات بين إقبال النفوس وإدبارها، وارتداداتها العجيبة ..
في ربوع مِنى وفي تلك البقعة المباركة من كوكب الأرض يتطلّع الحجاج المؤمنون إلى تحسين الإنتاجية للنهوض بالإنسان والزمان والمكان والأوطان إلى مصافّ القيادة العظمى؛ لنكون كما كتب الله لنا ﴿ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ ﴾.
فخذوا بأحسنها أيها الناس، وللحجاج علينا درجة؛ لتلبسهم بالنسك، والسلام على من اتبع الهدى.
في امتداد مخمليّ خلاب .. يختم الحجاجُ الأكارم أنساكهم بشدّ الرحال إلى المهد النبويّ الميمون، حيث الغزوات والسرايا، والأنفال والغنائم، حيث البقاع النبوية ..والرسالة المحمدية .. والعرصات النبوية .. حيث الرفق والرأفة والرحمة ..حيث الإنسان في عروجه …
إنه حط الرحال على الضفاف النبوية ، حيث تطيب الذكرى ، وتزهو الآمال ، وتكتمل واسطة العقد، وتنبجس المواقف والمبادئ والقيم في أوج تدفقها وسيلانها..
يضعون ختماً مباركاً على رحلة العمر بتسجيل حضورٍ في المساحات النبوية، حيث كان محمد بن عبد الله يبني العالم والإنسان، ويشيد الحضارة المنيفة، ويرسل الضوء للملأ حوله وللدنيا قاطبةً، ويعلّم أصحابه ويرقى بهم نحو السامقات..
وإن هؤلاء الحجاج في رحلتهم هذه تلتقط قلوبهم أحسن موروثات الإنسانية على الإطلاق، يلتهمون تغذية راجعة لصقل العقل والعاطفة وانبعاثات الجوارح، وصدى الوصية الخالدة يتردد على أسماعهم( فما تصنعون بالحياة من بعده! قوموا فموتوا على ما مات عليه) واملأوا الدنيا ترتيلاً وتسبيحاً وفتحاً وتمكيناً وتحسيناً …
إن أيام الحج وإن كانت معدودة محدودة، لكنها كثيرة غزيرة كبيرة، فيّاضةً بالعطاء، نضّاخةً بالمعاني ،مسوّمة بالبركة، مُفعمة بالروحانية، وإني إذ أبصر هؤلاء الحجاج الأماجد يشعّ من إهابهم الفضل، يعطرون الطرقات والأندية بالرفق والبصيرة، تتحرك ركائبهم نحو ديارهم، ومكة تكتب آثارهم وتشهد لأنساكهم، والعالم يلّوح لهم وينتظرهم ويترقب صنائعهم..
يُزيحون ركاماً هائلاً قد تكدّس من لوثات الحياة وقد لبسوا ثياباً قشيبة براقة مستبشرين فرحين بما آتاهم الله من فضله ..
يَتخذون الأرض معبداً ومسجداً وطهوراً، يَغرفون من الليل سكونهم وخشوههم وتبتّلهم ..
يَبتلّون بالدموع التي تهمي فتنعش الحنايا الشاحبة بالهم والمعصية وخذلان الإنسان لأخيه الإنسان، يخوضون ظروف الحياة الشرسة وأمواجها الهادرة كرُبّان ماهر حاذق، يوقدون شموس الحياة، ويكونون كالصباح نضارة ..
لسان مقالهم: لن نبرح حتى نَبلُغ ونُبلِّغ ما علّمنا ربنا، يحملون النور، وعن أيمانهم نور وعن شمائلهم نور، ودعاؤهم ربنا اجعل لنا نوراً نمشي به في الناس، و أتمم لنا نورنا واغفر لنا، وتقبل منا، واغفر لنا ولإخواننا الذين ما كتبتَ لهم الحج في عامهم هذا..
يارب قد أتاك هؤلاء الخلق ضارعين مبتهلين، أوّاهين أوّابين، منيبين مستغفرين، يحملون أوزارهم على ظهورهم، قد غشِيَهم من الهمّ ما غشيَهم، وقد طاف عليهم طائف من النعم، عند كل واحدٍ مسألة، وفي صدرِ كل منهم حاجة، وفي داخل كل منهم ضائقة، منهم المرضى والثكلى، واليتامى والأيامى، والمدينون الغارمون، وطائفة منهم يارب قد خذلهم الناس، وجرحهم الناس، وظلمهم الناس؛ فتقبل دعاءهم كلهم أجمعين، وضمّد جراحهم، وصيّرهم إلى حالة حسنة طيبة، وأسند ظهورهم، واشف صدورهم، اللهم كن لانكساراتهم وآلامهم، وحقق آمالهم، وآتهم سؤالهم، وأصلح بالهم ومآلهم ومقالهم، والحقهم بالصالحين، ولا تخزهم يوم يبعثون، واجعلهم من ورثة جنة النعيم، واجعل لنا معهم أوفر الحظ وأطيب النصيب، وأنت أكرم الأكرمين وأحسن الرازقين..
هاهي أطياف الحجيج تزول رويداً روبداً ، إنهم قبيل مغادرتهم كانوا يخلعون مهجتهم ويحفرونها تحت ثرى مِنى، يصنعون ذكرى لم تشهد البشرية مثلها، وقد أصبحت دياراً صامتة كالحداد، لا تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ذكرى، كالحةً حزينةً هزيلةً، يرتدّ بصرها كسيراً حسيراً، وهي تسمع قرع نعالهم ووقع خطاهم، ونحن من خلف الشاشات نتأمل مطاياهم وهي تتمايل مغادرةً رباطهم الفريد المقدس، وهم يتخلصون من خطايا الماضي كما تتخلص الأشجار من أوارق الخريف، ويتحولون كغيمةٍ تمطر فإذا الربيع بحجم العالم، يتمدد الواحد منهم حتى يصبح عوالم تثير الدهشة والانتعاش، ينثرون في دروبها عبير التوحيد الخالص الذي غرسوه في قاع ذواتهم ، يعودون إلى أوطانهم محمّلين بالحب والهدايا والإيمان وحكايات المشاعر المقدسة ..
وينطلقون نحو واقعهم الجديد كالبنيان المرصوص، بطاقات متناغمة وعنفوان جيّاش، يسيرون نحو العمل والسعي الدؤوب لعمارة الأرض كما أراد الله .. اللهم تقبل .




