لطيفة قرآنية

بقلم: د.لينة بنت حسن عزوز
من اللطائف القرآنية الليّنة الهيّنة القريبة من الناس، ومن شعور الناس، وأحاسيس الناس، ما يتلوه علينا ربنا في كتابه المحكم العظيم، في تصوير لقطة قصيرة الإيقاع طويلة الأثر والسرد والمغزى تشبه حياة الناس وارتدادت الناس ﴿ ۞ قَالُوا إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ۚ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ ۚ قَالَ أَنتُمْ شَرٌّ مَّكَانًا ۖ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ ..
هل سمعتم؟ هل رأيتم؟ هل شعرتم؟ هل تصورتم؟
إنه وصف دقيق عميق مفصّل للمشهد، تصوير كامل للحدث، لعمر ماضٍ طويل، لمناورات قديمة، لمغالبة ومدافعة بين الخير والشر، تصوير يقتضب ألم سنين، وإحناً غائرة في الصدور، وغِلّاً قابعاً في قاع الأيام!
يالله هذا التصوير المصغّر يتسع في جنباته لإنزال كل مواقف البشر ومناوراتهم واشتباكاتهم في عمر الإنسانية..
أسرّها يوسف في نفسه، أخفاها، كتمها، أضمرها، غالبها، قاومها، نعم لقد مسه الأذى من قول إخوته، لقد اصابه الحزن، لقد هشم هؤلاء شعوره لوهلة، لقد قضم هؤلاء إحساسه بكلمة تخبئ وراءها ملحمة ماضية عتيدة، فردّ عليهم في حنايا ذاته لكنه أسرّ الرد، نبلاً منه وأدباً واستعلاءً أن يهبط إلى الحضيض في لحظة ألم نفسيّ شعوريّ..
يالله كم من موقف آذى الإنسان فيه أخاه الإنسان؟وخذل الإنسان فيه أخاه الإنسان؟ وجرح الإنسان فيه أخاه الإنسان؟ وحقّر فيه الإنسان أخاه الإنسان؟
نحن بشر يا كرام نسمع ونرى، ونحس ونشعر، لسنا صخوراً صلدة قاسية، بل نحن كالعِهن الملوّن بالأحاسيس والشعور والتفاعل، قابلين للخدش والكسر والخَرق والانصهار والذوبان والنقض، فلم لا يترفق الناس بعضهم ببعض، ولم لا يلين الناس بعضهم لبعض؟..
الحمد لله على هذا الدين العظيم، الذي يلج إلى مثاقيل الذر من الأحاسيس فيصفها، ويصوّرها، ويفيض بها بثاً حيّاً يكون تغذية قلبية معرفية لبني الإنسان في كتاب كريم يتلوه الناس إلىيوم يبعثون.
ما أعز التغافل! وما أعظم الامتناع عن الرد! وما أنبل أن يُسرّ الإنسان في نفسه الردّ ولا يبديه لمؤذيه، وما أكرم أن يمتنع عن إيراده مراعاة للمقام، و ينأى عن إظهاره حفظاً للسياق، وتسامياً عن توسيع جبهات الظنون وتبادل التهم .
وإن من القول الحسن، قول الحكماء: من شدد نفّر، ومن تراخى تألّف، والشرف في التغافل ، وقال الحكماء: وجدنا أكثر أمور الدنيا لا تجوز إلا بالتغافل
وللهِ دَرُّ الشاعرِ إذ قال:
لَوْلَا التَّغافُلُ عَنْ أشياءَ نَعْرِفُها،
ما طابَ عَيْشٌ ولا دامَتْ مَوَدَّاتُ.




