لا تقارن بدايتك بنهاياتهم
بقلم الكاتبة: حنان سالم باناصر
واحدة من أكثر المشكلات الصامتة اليوم أن الإنسان لا يرهق نفسه بسبب قلة الإمكانيات، بل بسبب اعتقاده أنه يجب أن يعيش بمستوى أعلى من مرحلته الحالية. هذا الشعور لا يأتي فجأة، بل يتشكل تدريجيًا من المقارنة المستمرة—سواء كانت واعية أو غير واعية—بالآخرين.
المشكلة ليست في الطموح، بل في الطريقة التي يُفهم بها. حين يتحول الطموح إلى محاولة تقليد حياة الآخرين دون فهم ظروفهم، يبدأ الإنسان في وضع نفسه تحت ضغط لا يناسبه. يقارن بداياته بنهايات غيره، ويتجاهل أن لكل رحلة زمنها وتحدياتها.
من غير العادل أن يقارن شخص في بداية حياته بمن وصل إلى مرحلة متقدمة أو يقترب من التقاعد. هذا الآخر غالبًا مرّ بسنوات طويلة من العمل، وواجه ضغوطًا، وراكم خبرات ومهارات وماديات مكّنته من الوصول إلى مستوى معين. المقارنة هنا لا تكون ملهمة، بل مُرهقة ومضللة.
الأصعب أن هذه المقارنة لا تكون دائمًا واضحة. قد لا يعترف الإنسان بها، لكنه يعيش آثارها:
يضغط نفسه ماديًا ليواكب مستوى لا يناسب دخله، ويضغط نفسه نفسيًا ليحقق إنجازات لا تتناسب مع خبرته،
ثم يجد نفسه في حالة من التوتر المستمر دون سبب ظاهر… برأيي، هذا ليس طموحًا… بل استنزاف مستمر.ولا يتوقف الأثر عند هذا الحد؛ فالضغط الزائد ينعكس على جودة الحياة والعلاقات. يصبح الإنسان أقل رضا، وأكثر توترًا، وقد يتخذ قرارات متسرعة فقط ليشعر أنه “يلحق بالآخرين”. وهنا يفقد المعنى الحقيقي للتقدم.
لكل إنسان توقيته الخاص. هناك من يبدأ مبكرًا، وهناك من يتأخر، وهناك من يغير مساره أكثر من مرة. الحياة ليست سباقًا بخط نهاية واحد، بل مسارات متعددة، ولكل مسار ظروفه وإيقاعه.
الوعي الحقيقي يبدأ حين يفرق الإنسان بين الإلهام والمقارنة. أن يرى نجاح الآخرين كحافز، لا كمعيار يحاسب به نفسه. وأن يدرك أن ما يراه هو النتيجة، لا القصة الكاملة خلفها.
وفي فقرة أؤكد فيها رأيي بوضوح: الاتزان أهم من الوصول السريع.
أي نجاح يأتي على حساب الراحة النفسية والتوازن الداخلي سيظل ناقصًا، مهما بدا مكتملًا من الخارج.
في النهاية، السؤال الأهم ليس: كيف أصبح مثلهم؟
بل: هل أنا أسير في الطريق الذي يناسبني أنا؟




