ضوئيات

بقلم: د.لينة بنت حسن عزوز
في وصف ذلك الفذّ الذي جاء من أقصى المدينة يسعى للمعالي، هاهو يخترق حاجز المألوف، ويخشع لأصوات القُرّاء في المدى، يكون في يومه وليلته مسكونًا بالآيات التي يتفاعل معها ويعمل بمقتضاها، يحاول حفر أثرها في قاع روحه كالأخاديد في صفحة الدهر، يحرك استشعاره لمغزى الآيات على كل تردد وخفوت فهو باسل مقدام في الحق والفضيلة، إنه يترنم بالغايات العظمى وله دويّ كدويّ النحل، ينسجم مع المبادئ، يتناغم مع المعطيات، ويقرر الوصول إلى الصدارة كأن لم يلبث إلا ساعة من عزم!، لايقبل الحلول الوسطى، ولا البدائل الدنيا، ولا الأشياء العادية، يلتهم الكتاب تلو الكتاب كأنْ لم يؤلَّف غيره في البلاد، يعيش معه، يتكيف من خلاله، يتبلور مع أحسن مافيه، يصنع من كل كتاب وطنًا موئلًا وذكرى، ثم وإن كنا قد لقينا من سفرنا هذا نصبًا غير أنه يبدو كترسانة صلبة صلدة ترفع أشرعتها عبر الأرجاء والأزمان… ولا زال في البحر متسع !
تجري الرياح كما تجري سفينتنا نحن الرياح ونحن البحر والسفن
***
إنه يسجد ويقترب، ويعرج ويتسامى، وينمو ويتعافى..
يزخر بالأفكار الرشيدة، ويتدفق بالأخلاق النبيلة..
خزانته ملأى بالرِفق والإيمان والفضيلة…
يبدّد كل أمتعة الدنيا فما عاد لها مُتّسع، الآخرة في اعتباراته خيرٌ وأولى وأجدى وأغنى وأقنى..
إنه يواصل المسير والكفاح، ويتجاوز مقتضيات التغيير إلى متطلبات البناء والاكتمال..
حيث أجل الغايات وأندى المطالب.. جنة عرضها السموات والأرض… اللهم بلاغًا..
***
بِوسعنا أن نكتب للمستقبل ألف قصيدة إلا واحدة !
نحن الذين وُلدنا من أرحام المستحيل.. وتضلّعنا بماء الإصرار حتى آخر أمنية !
متصلين بحبل الله المتين طالبين الإمداد والإسعاد..
متوكلين عليه وقد هدانا سبلنا وأنار لنا دربنا، وأحسن بنا وآتانا من كل ما سألناه..
لا نستحسن الملل القارس، ولا نخاف من الخذلان الدامس، ولا نأبه بلغة المتقاعسين المثبطين المرجفين..
نصنع من رسالة الحق التي نحملها عالمًا استثنائيًا مدهشًا…
نخفض الجناح للوعي والبصيرة، ونغض أصواتنا عند العقل والحكمة…
تهزمنا الرغبة الملحة في إدارك خير المقامات..
ثم لا يضرنا من ضلّ اذا اهتدينا وتفوقنا وبلغنا..
وإنما يتقبل الله من المحسنين..
***
ومن الجمال أن تزدحم بالمبادئ والقيم..
وأن تهبط على أرض الأخلاق فتطبقها شعلةً توقد شموس الحياة، وتسري بها فعلًا وقولًا وأملًا وكرمًا، وتشرق بها في التضاريس والقفار والوهاد والفجاج…
وأن تنطق بها بهجةً وسعةً وسلوانًا وعونًا..
وأن تكون هذه الشمائل الطيبة قوالب للحكمة والمشورة والإحسان، وإعانة للقانع والمعترّ وابن السبيل..
وما أبهى أن تصدّر أخلاقك لتكون بضاعةً ثمينة يتلقّاها الرُكبان الذين أنهكتكم قروح الحياة..
وأن تحمل في ثنايا تعاملك وحديثك وتصرفاتك رسائل ضمنية للخلطاء تحمل رمزيات الاهتمام والاحترام والتوقير وإعطاء كل ذي حق حقه..
هذه الأخلاق تُتَوّجك، ترفعك، ترقى بك، تغنيك، تثريك…
تُسعدك وتُسعِد بك، وتجعلك في مصافّ الأمم..
ما أجمل أخلاقك.. وما أزهى روحك..!
محلك سامق، ومجدك باسق، وشرفك نجم طارق..
أنت ملئ بالربيع والحب والسماحة..
ومن أحيل على ملئ؛ فليحتلْ.. والسلام
ما أعز التمسك بالقيم والمبادئ، والتنقيب الصادق عن الأصالة والجوهر، لا تغرنّكم المظاهر، ولا تستعبدنّكم المزايا، ولا تعبثنّ الأهواء بالإنسان السويّ داخلكم.
كم في المرء من بهاء وابتكار وودّ وفطرة نقية سوية، غيرَ أنّ القواطع تتناوشه من كل جانب، فتُذيب مقوماته وتحدث فيه طفرة تَحيد به عن الصواب، فيسهو عن نيّته الحسنة وتُفتح عليه أبواب كل شيء؛ فيتدحرج بين مشغلات منهكة مضنية، لا تسمن ولا تغني، ولا ترفع ولاتنفع..
ويتردّى في هُوَة سحيقة من الشؤم والفشل..
ويتناسى الأصل، وينأى عن العمق، ويلتفت إلى قشور..
كن دوحة غنّاء، أصلها ثابت وفرعها في السماء، حيث الجوهر وحقيقة الأشياء
***
وطائفة من البشر يغمسون أيديهم في ماء الطهر، يقفون على عتبات الإحسان، يبتهلون، يتضرعون، ينسخلون من أنفسهم، من أبسط مقومات الاستحقاق التي يتكبّدها البشر ويُدفع لنوالها الغالي والرخيص،
يسافرون عبر الأفق إلى الخلود، في حنايهم كلمة سرٍ تركض في الملكوت، تحلّق عبرالمدى، يتوهجون من أخمص شعورهم إلى أعمق عروقهم، هتافهم للحنين، لاشيء يُثني عزمهم أو يعطل سيرهم فهم كالسيل الهادر، صنائعهم من نور، يرسلون الحب والأمان والمجد للملأ حولهم، حناجرهم خافتة، وثباتهم مدهش، يتعالَون عن ضجيج المناصب والشهرة والأضواء…
لله درهم، وما يمتكلون من مقومات مرموقة في سجلات السماء، إنهم يُرصّعون الدُرر في الأرض ليمشي الناس في المناكب آمنين مطمئنين مستبشرين بالخير والهبة وروضات الجنات..




