أماكنٌ فارغة في حياتنا

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
ليست كل الأماكن الفارغة جدرانًا خلت من سكانها، ولا مقاعد غادرها أصحابها. هناك أماكن لا يراها أحد، لكنها تسكن في أعماقنا، نتعايش معها كل يوم وكأنها جزءٌ من تكويننا.
هناك مكانٌ فارغ على مائدة الطعام، كان لصاحبٍ أو أمٍ أو أبٍ أو أخٍ اعتدنا وجوده، فأصبحنا نلتفت إليه تلقائيًا، ثم نتذكر أنه لن يجلس هناك مرةً أخرى.
وهناك مكانٌ فارغ في الهاتف، لا يزال يحمل اسمًا لم يعد يضيء، ورسائل نقرأها كلما اشتد الحنين، وصورةٌ نخشى حذفها، لأنها آخر ما تبقى من زمنٍ كان مليئًا بالحياة.
وهناك مكانٌ فارغ في القلب… لا يشغله أحد. ليس لأن الناس قليلون، بل لأن بعض الأرواح لا تتكرر. يرحل أصحابها، ويبقى أثرهم وكأنهم كتبوا أسماءهم على جدران الروح، فلا تمحوها السنوات.
وهناك فراغٌ صنعته الأحلام المؤجلة. ذلك المشروع الذي تمنيت أن يبدأ، والشهادة التي سعيت إليها، والبيت الذي رسمته في خيالك، والرحلة التي كنت تؤجلها حتى جاء يومٌ لم تعد تملك فيه الرغبة. أحيانًا لا يكسر الإنسان الفشل، بل يكسره طول الانتظار.
وهناك مكانٌ تركته الطمأنينة حين دخلت الحياة في سباقها الطويل. أصبحنا نستيقظ ونحن نفكر، وننام ونحن نفكر، ونبتسم والقلق يختبئ خلف ملامحنا. حتى الراحة أصبحت موعدًا نؤجله إلى إشعارٍ آخر.
وأصعب الأماكن الفارغة… تلك التي يتركها الأشخاص وهم ما زالوا على قيد الحياة. حين يتغير قلبٌ كان وطنًا لك، أو يصبح صوتٌ كنت تنتظره غريبًا، أو يتحول القرب إلى مجرد ذكرى. عندها تدرك أن الغياب لا يحتاج إلى سفر، وأن البعد الحقيقي قد يحدث بين قلبين يجمعهما المكان نفسه.
ولكل إنسان مكانٌ فارغ لا يتحدث عنه. قد يكون كلمة اعتذار لم يسمعها، أو حضنًا افتقده منذ طفولته، أو أبًا كان يتمنى أن يفخر به، أو أمًا اشتاق إلى دعائها، أو ابنًا ينتظر عودته، أو حلمًا دفنه قبل أن يولد.
نحن لا نحمل في صدورنا قلوبًا فقط، بل نحمل مدنًا كاملة، فيها بيوت مضاءة، وأخرى أغلقت أبوابها إلى الأبد. فيها شوارع نعبرها كل يوم، لكننا نتجنب زاويةً واحدة؛ لأنها تعيد إلينا وجعًا ظننا أننا تجاوزناه.
ومع ذلك… فإن رحمة الله أعظم من كل فراغ. فهو وحده القادر أن يملأ قلبًا ظن صاحبه أنه لن يبتسم مرة أخرى، وأن يعوض روحًا أنهكها الفقد، وأن يفتح بابًا بعد ألف بابٍ أُغلق، وأن يجعل من انكسار الأمس بدايةً لقوةٍ لم يكن الإنسان يعلم أنها تسكنه.
فلا تحزن لأن في حياتك أماكن فارغة، فكل إنسان يحمل فراغًا لا يراه الآخرون. لكن احذر أن تجعل هذا الفراغ يبتلع ما بقي من عمرك. ازرع في تلك المساحات إيمانًا، وذكرًا، وأملًا، وأشخاصًا صادقين، وأعمالًا طيبة، فبعض الفراغات لا يملؤها البشر… بل يملؤها الله بسكينته.
وستكتشف يومًا أن الأماكن التي ظننت أنها انتهت بالغياب، كانت في الحقيقة بدايةً لنضجك، وأن الفراغ الذي أبكاك طويلًا… هو نفسه الذي علّم قلبك كيف يتسع للحياة من جديد.




