التسبيح باليد اليمنى

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدلله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ؛ وعلى آله وصحبه ؛ ثمَّ أمَّا بعد :
إخواني القراء الكرام : لا شك أنَّ ذكر الله تعالى من أفضل العبادات ؛ ولذا قال الله تعالى : – فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ – البقرة : 152 وقال تعالى : – يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا – الأحزاب : 41 – 42 وقال الله تعالى في الحديث القدسي : – أنا عِندَ ظَنِّ عَبدي بي ، وأنا معهُ إذا ذَكَرَني ، فإن ذَكَرَني في نَفسِه ذَكَرتُه في نَفسي ، وإن ذَكَرَني في مَلَإٍ ذَكَرتُه في مَلَإٍ خَيرٍ منهم – رواه البخاري ومسلم ، وقال صلى الله عليه وسلم : – مَن سَبَّحَ اللهَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثينَ ، وحَمِدَ اللهَ ثَلاثًا وثَلاثينَ ، وكَبَّرَ اللهَ ثَلاثًا وثَلاثينَ ، فتلك تِسعةٌ وتِسعونَ ، وقال تَمامَ المِئةِ : لا إلَهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شَريكَ له ، له المُلكُ وله الحَمدُ وهو على كُلِّ شيءٍ قديرٌ ، غُفِرَت خَطاياه ، وإن كانَت مِثلَ زَبَدِ البَحرِ – رواه مسلمٌ في صحيحه ؛ وقال صلى الله عليه وسلم : – مَن قال : سُبحانَ اللهِ وبحَمدِه ، في يَومٍ مِائةَ مَرَّةٍ ، حُطَّت خَطاياه وإن كانَت مِثلَ زَبَدِ البَحرِ – رواه البخاري ومسلم ؛ إلى غير ذلك من النصوص الشرعية الدالة على الذكر وفضله ؛ من التسبيح والتحميد ، والتهليل ، وغيره من الأذكار .
إخواني القراء : الأصل أن يكون الذكر من التسبيح ، والتحميد ، والتهليل ، والتكبير ، وغيرها من الأذكار بالألسن وأصابع اليدين ؛ لحديث عبدالله بن بسر رضي الله عنه : – أنَّ رجلًا قال : يا رسولَ اللهِ ؛ إنَّ شرائعَ الإسلامِ قد كثُرت عليَّ ؛ فأخبِرني بشيءٍ أتشبَّثُ به ؟ قال : لا يزالُ لسانُك رطبًا من ذكرِ اللهِ – رواه الترمذي في سننه ، وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم 3375 ؛ وفي حديث يسيرة بنت ياسر رضي الله عنها قالت : – أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ أمرَهنَّ أن يُراعينَ بالتَّكبيرِ ، والتَّقديسِ – بمعنى التسبيح – والتَّهليلِ ، وأن يعقِدنَ بالأناملِ ؛ فإنَّهنَّ مَسئولاتٌ مُستَنطَقاتٌ – أي يوم القيامة ؛ رواه أبو داود في سننه ، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود برقم 1501 .
أخي القارئ الكريم : إذا عرفنا أنَّ الأصل التسبيح ، والتحميد ، والتهليل ، والتكبير بالأصابع ؛ حتى تشهد لصاحبها بذلك يوم القيامة ؛ فما بالنا نستبدل ذلك بالتسبيح بالمسبحة أو بخاتم التسبيح الالكتروني ؛ وقد جاء في سنن الدارمي بسند صحيح ؛ وقد صححه الألباني رحمه الله في السلسلة الصحيحة 5/11 : – عن عمرو بنِ سلَمةَ الهمْدانيِّ رحمه الله قال : كنا نجلسُ على بابِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضي الله عنه قَبل صلاةِ الغداةِ – أي الفجر – فإذا خرج مَشينا معه إلى المسجدِ ، فجاءنا أبو موسى الأشعريُّ رضي الله عنه ؛ فقال : أخَرَجَ إليكم أبو عبد الرحمنِ بعدُ ؟ قلنا : لا ، فجلس معنا حتى خرج ، فلما خرج قُمْنا إليه جميعًا ، فقال له أبو موسى : يا أبا عبد الرَّحمنِ : إني رأيتُ في المسجدِ آنفًا أمرًا أنكرتُه ، ولم أرَ والحمدُ للهِ إلا خيرًا ؛ قال : فما هو ؟ فقال : إن عشتَ فستراه ؛ قال رأيتُ في المسجدِ قومًا حِلَقًا جلوسًا ينتظرون الصلاةَ في كلِّ حلْقةٍ رجلٌ ، وفي أيديهم حصًى ، فيقول : كَبِّرُوا مئةً ، فيُكبِّرونَ مئةً ؛ فيقول : هلِّلُوا مئةً ، فيُهلِّلون مئةً ، ويقول : سبِّحوا مئةً ؛ فيُسبِّحون مئةً ؛ قال : فماذا قلتَ لهم : قال : ما قلتُ لهم شيئًا انتظارَ رأيِك ؛ قال : أفلا أمرتَهم أن يعُدُّوا سيئاتِهم ، وضمنتَ لهم أن لا يضيعَ من حسناتهم شيءٌ ، ثم مضى ، ومضَينا معه حتى أتى حلقةً من تلك الحلقِ ، فوقف عليهم ، فقال : ما هذا الذي أراكم تصنعون ؟ قالوا : يا أبا عبدَ الرَّحمنِ حصًى نعُدُّ به التكبيرَ ، والتهليلَ ، والتَّسبيحَ ؛ قال : فعُدُّوا سيئاتِكم ، فأنا ضامنٌ أن لا يضيعَ من حسناتكم شيءٌ ، ويحكم يا أمَّةَ محمدٍ ما أسرعَ هلَكَتِكم ؛ هؤلاءِ صحابةُ نبيِّكم صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ مُتوافرون ، وهذه ثيابُه لم تَبلَ ، وآنيتُه لم تُكسَرْ ، والذي نفسي بيده إنكم لعلى مِلَّةٍ هي أهدى من ملةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم ؛ أو مُفتتِحو بابَ ضلالةٍ ؛ قالوا : والله يا أبا عبدَ الرَّحمنِ ما أردْنا إلا الخيرَ ؛ قال : وكم من مُريدٍ للخيرِ لن يُصيبَه ؛ إنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ حدَّثنا أنَّ قومًا يقرؤون القرآنَ لا يجاوزُ تراقيهم يمرُقونَ من الإسلامِ كما يمرُقُ السَّهمُ منَ الرَّميّةِ ، وأيمُ اللهِ ما أدري لعلَّ أكثرَهم منكم ، ثم تولَّى عنهم ، فقال عمرو بنُ سلَمةَ ، فرأينا عامَّةَ أولئك الحِلَقِ يُطاعِنونا يومَ النَّهروانِ مع الخوارجِ – .
فهذا الأثر العظيم يحذرنا فيه عبدالله من مسعود رضي الله عنه من عدة أمور :
١- التسبيح بالحصى بدلا عن التسبيح بالأصابع .
٢- الذكر الجماعي .
٣- الحذر من منهج الخوارج الذين يكفرون المسلمين بالكبيرة ؛ والخروج عن طاعة السلطان الحاكم .
والشاهد من هذا الأثر هو وجوب اتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في طريقة الذكر ، وغيره من العبادات ، وأنَّه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما أصلح بها أولها ؛ من التمسك بالكتاب والسنة ، بفهم السلف الصالح رضوان الله عليهم ؛ وقد قال الله تعالى : –وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا – النساء :115 قال عبد الله بن مَسْعُود رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ : – من كَانَ مِنْكُم متأسياً فليتأس بأصحاب النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َإِنَّهُم كَانُوا أبر هَذِهِ الْأمة قلوباً ، وأعمقها علماً ، وأقلها تكلفاً ، وأقومها هَدياً ، وأحسنها أَخْلَاقًا ؛ اخْتَارَهُمْ الله عز وَجل لصحبه نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وَإِقَامَة دينه ، فاعرفوا لَهُم فَضلهمْ ، واتبعوهم فِي آثَارهم ؛ فَإِنَّهُم كَانُوا عَلَى الْهدى الْمُسْتَقيم – قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى 22/187 : – وربما تظاهر أحدهم بوضع السجادة على منكبه ، وإظهار المسابح في يده ، وجعله من شعار الدين والصلاة . وقد علم بالنقل المتواتر أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم ، وأصحابه لم يكن هذا شعارهم ، وكانوا يسبحون ، ويعقدون على أصابعهم كما جاء في الحديث : – اعقدن بالأصابع ؛ فإنهنَّ مسؤولات ، مستنطقات – وربما عقد أحدهم التسبيح بحصىً أو نوىً . والتسبيح بالمسابح من الناس من كرهه ، ومنهم من رخّص فيه ؛ لكن لم يقل أحدٌ : أنَّ التسبيح به أفضل من التسبيح بالأصابع ، وغيرها – انتهى .
وقال العلامة الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله في إحدى فتاويه حين سئل عن التسبيح بالمسبحة : – الراجح أنَّه لا حرج في ذلك ؛ لأنَّه ورد عن بعض الصحابيات ، وعن بعض السلف التسبيح بالحصى ، وبالنوى ، والعقد لا بأس ؛ لكن الأصابع أفضل ، كونه يسبح بأصابعه كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسبح بأصابعه ، هذا هو الأفضل ، هذا هو السنة بالأصابع .
وإن سبح بالسبحة ، أو بالحصى ، أو بالنواة بعض الأحيان في بيته ؛ فلا بأس ؛ لكن في المساجد عند الناس الأفضل بالأصابع كما كان النبي يفعل ، عليه الصلاة والسلام – انتهى .
وقال سماحة الشيخ صالح بن فوزان الفوزان المفتي العام المملكة العربية السعودية حالياً حفظه الله تعالى في إحدى فتاويه : –
أمَّا إذا استعملها الإنسان – أي المسبحة – من باب المباحات أو ليعدَّ بها الأشياء التي يحتاج إلى عدها ، فهذا من الأمور المباحة .
أمَّا اتخاذها دينًا وقربةً ، فهذا يعتبر من البدع المحدثة ، وعلى الإنسان إذا أراد التسبيح أن يسبح الله عز وجل ، ويعد التسبيح بعقد أصابعه هذا الذي ينبغي .
أمَّا اتخاذ المسبحة على أنَّ فيها فضيلةً كما يعتقد بعض الصوفية وأتباعهم ، ولذلك تجد كثيرًا منهم يحملون هذه المسابح الضخمة ، ويعلقونها في رقابهم ، فهذا بدعةٌ لا أصل له ، ويدخل في الرياء أيضًا والله أعلم – انتهى كلامه حفظه الله ، وقال أيضاً في فتاوى نورٌ على الدرب فتوى رقم 14350318 : –
التسييح بالمسبحة إذا كان القصد منه إحصاء عدد التسبيحات لا بأس كما يسبح بالأصابع ؛ أو يسبح بالحصى ، فإذا كان هذا هو القصد ، ولا يعتقد أنًَ السبحة فيها فضلٌ ؛ فلا بأس بذلك ، أمَّا الخاتم الذي يقولون أنَّه يحصي عدد التسبيحات ، فهذا لا يجوز استعماله ؛ لأنَّه أمرٌ محدثٌ ، وقد صدرت فيه فتوى من اللجنة الدائمة في منع استعماله – انتهى .
أيها الإخوة القراء الكرام : علينا بذكر الله تعالى في كلِّ وقتٍ وحين ، وعدِّ الذكر والتسبيح بأصابع اليد اليمنى ، لأنَّ ما من شأنه التكريم تقديم اليد اليمنى فيه ، ومنه ذكر الله تعالى ، وفق الله الجميع لما يحبه الله ويرضاه ، وجنبنا ما يسخطه علينا ؛ اللهم حبب إلينا الايمان وزينه في قلوبنا ، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان ، واجعلنا من الراشدين . اللهم آمين .



