مقالات

عام جديد لتاريخ كتبت بدايته من الغار

بقلم الكاتبة : د. سوسن توفيق حنفي 

بقلم الكاتبة : د. سوسن توفيق حنفي 

كل عام وأنتم بخير، ومع إشراقة العام الهجري الجديد ١٤٤٨، يعود إلينا ذلك السؤال القديم المتجدد كيف استطاع رجلٌ واحد، خرج من مكة مطاردًا إلا من يقينه، أن يبدّل وجه التاريخ، وأن تمتد آثار خطواته حتى تبلغنا اليوم ونحن نعيش في عالمٍ لم يكن يخطر على بال أهل ذلك الزمان؟

ليست الهجرة في حقيقتها انتقالًا من مكان إلى مكان، وإنما انتقال من حال إلى حال، ومن ضيق الواقع إلى سعة الأمل، ومن استضعاف البشر إلى التعلق برب البشر. ولهذا لم يؤرّخ المسلمون لميلاد النبي صلى الله عليه وسلم، ولا لوفاته، ولا لأول انتصار عسكري حققه، وإنما اختاروا الهجرة بداية لتاريخهم، لأنها اللحظة التي تحوّل فيها الإيمان من فكرة يحملها أفراد إلى أمة تحمل رسالة.

حين أتأمل الهجرة من موقعي كطبيبة طوارئ، أجد أن أعظم ما فيها ليس الوصول إلى المدينة، بل القدرة على المضي في الطريق رغم الجهل بما يخبئه الغد. ففي أقسام الطوارئ نرى كل يوم أناسًا خرجوا من بيوتهم ولم يتوقعوا أن تنقلب حياتهم في لحظة كحادث مفاجئ، أو ألم باغت صاحبه، أو خبر غيّر مسار أسرة كاملة. وهناك يدرك الإنسان أنه لا يملك من أمره إلا السعي، وأن النتائج تأتي من حيث لا يحتسب.

ولعل هذا هو الدرس الأكبر الذي علمتنا إياه الهجرة، أن اليقين لا يعني وضوح الطريق، بل الثبات عليه وإن اكتنفه الغموض. فقد اختبأ النبي صلى الله عليه وسلم في الغار، وسلك طريقًا غير مألوف، واستعان بدليل للطريق، وأخذ بكل أسباب النجاة، وفوق كل هذا ترك قلبه معلقًا بالله وحده. فكان ذلك التوازن البديع بين العمل والتوكل، وبين التخطيط والإيمان، أحد أسرار النجاح التي ما زالت البشرية تتعلمها بعد أربعة عشر قرنًا.

ثم جاءت الانتصارات تباعًا، بدر، والحديبية، وفتح مكة، حتى خرج الإسلام من حدود الجزيرة إلى آفاق الأرض. لكن التأمل العميق يكشف أن أعظم انتصار لم يكن فتح مدينة، بل فتح القلوب. فما أكثر الأمم التي انتصرت بالسيف ثم انطفأت، وما أقل الرسالات التي استطاعت أن تبقى حيّة في الضمير الإنساني قرونًا طويلة.

واليوم، ونحن ننظر إلى ما بلغته أمة الإسلام من انتشار في أرجاء العالم، ندرك أن آثار تلك الرحلة لم تتوقف عند حدود السياسة أو الجغرافيا. فقد أسهم المسلمون في بناء الحضارة الإنسانية، وحملوا مشاعل العلم والطب والفلك والهندسة في عصور كانت كثير من بقاع الأرض غارقة في الظلام. ومن تراث تلك المسيرة الطويلة نشأت المستشفيات، وتطورت علوم الجراحة والدواء، وتأسست مدارس الطب التي انتفع بها العالم كله. وما نراه اليوم من تقدم في الرعاية الصحية في بلاد المسلمين، ومن مستشفيات ومراكز أبحاث وكفاءات طبية تخدم الملايين، ليس إلا صفحة جديدة من كتاب بدأ يوم خرج رجلٌ وصاحبه من مكة متجهين إلى المدينة.

وفي كل منا هجرة صغيرة تتكرر كل عام، وربما كل يوم. هجرة من عادة سيئة إلى خلق أفضل، ومن تردد إلى شجاعة، ومن انشغال بصغائر الأمور إلى الانشغال بما يبقى أثره بعد الرحيل.

يا ربِّ وامنحنا بفضلك هجرةً

تعلو النفوسُ بها على الأهواءِ

ويكونُ فيها هجرُ كلِّ رذيلةٍ

كالحقدِ والبغضاءِ والشحناءِ

ولعل أعظم ما نتعلمه من الهجرة النبوية أن المسافات الحقيقية ليست تلك التي تقطعها الأقدام، بل تلك التي تقطعها القلوب وهي ترتقي من ضعفها إلى كمالها الممكن.

في الطوارئ رأيت كثيرًا من الوجوه التي كانت تظن أن أمامها متسعًا من الوقت، ثم اكتشفت أن الرحلة أوشكت على نهايتها. ورأيت آخرين أثقلهم المرض، لكن أرواحهم بقيت مشرقة لأنها امتلأت يقينًا ورضًا. لذلك يبدو لي مطلع كل عام هجري تذكيرًا لطيفًا بأن الحياة ليست سباقًا إلى مزيد من السنوات، بل رحلة إلى مزيد من الحكمة.

ومع دخول عام ١٤٤٨ للهجرة، نسأل الله أن يجعل لنا فيه نصيبًا من بركة تلك الهجرة العظيمة، ثباتًا عند الشدائد، وبصيرةً عند المنعطفات، وأملًا لا ينطفئ مهما اشتد ظلام الطريق. وأن يرزق أمتنا مزيدًا من العلم والعدل والقوة والرحمة، حتى تبقى شاهدةً على الناس كما أراد الله لها.

كل عام وأنتم بخير، وعام هجري مبارك، جعله الله عامًا تهاجر فيه القلوب إلى ما يحب، وتقترب فيه الأرواح من المعاني التي من أجلها بدأت الرحلة الأولى قبل أربعة عشر قرنًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬