جربة.. جزيرة المساجد والأحلام، حيث يلتقي التاريخ بالفن

بقلم : دآمال بوحرب ـ ناقدة وباحثة
يسهم الإعلام اليوم في تسليط الضوء على السياحة والثقافة، ويبرز دور المدن ذات التاريخ المتنوع في تشكيل الوعي الجمالي والإنساني، ويكشف عن عمقها الحضاري بوصفها فضاءات حية للتعايش والتعدد، كما يفتح المجال أمام التعرف إلى أماكن تحمل ذاكرة ثقافية غنية وتقدم نماذج للتفاعل بين الإنسان ومحيطه. ومن بين هذه المدن تبرز جزيرة جربة بوصفها نموذجًا فريدًا يجمع بين التاريخ والجمال والثقافة والفن.

يسميها التونسيون “جزيرة المساجد والأحلام”، وهي من أبرز الجزر التونسية حضورًا في الذاكرة التاريخية والثقافية، وتستقبل سنويًا آلاف الزوار من مختلف أنحاء العالم، ومن بينهم يهود يقصدون كنيس الغريبة في طقوس دينية وسياحية، كما تعد وجهة سياحية أولى لما تتميز به من طبيعة خلابة، ومناخ معتدل، وتنوع في المعالم التراثية.
ولقد ورد ذكر جربة في “نزهة المشتاق” للإدريسي (ق12م) كـ”جزيرة عامرة بالناس والزرع” ذات ميناء استراتيجي، وذكرها ابن خلدون في عمران إفريقية لدورها التجاري، ووصفها الرحالة التيجاني (ق14م) بكثرة مساجدها وعمرانها الروحي والعلمي، بما يعكس مكانتها التاريخية في فضاء المتوسط.
تقع جربة في الجنوب الشرقي من تونس داخل خليج قابس، وتتبع ولاية مدنين، وتبعد نحو 150 كيلومترًا عن الحدود الليبية، ونحو 500 كيلومتر عن العاصمة تونس. وتبلغ مساحتها قرابة 500 كيلومتر مربع، ويصل طول شريطها الساحلي إلى نحو 125 كيلومترًا. ويقترب شكلها من المربّع، ويبلغ امتدادها بين الشمال والجنوب نحو 29.5 كيلومترًا، وبين الشرق والغرب نحو 29 كيلومترًا، ويصل ارتفاعها عن سطح البحر إلى نحو 53 مترًا، وتمتاز بأرض منبسطة وتربة رملية.
ترتبط الجزيرة بمدينتين رئيسيتين عبر منفذين، هما منطقة آجيم عبر العبارات القادمة من الجرف، والطريق الرومانية من جهة جرجيس. ويبلغ عدد سكانها نحو 160 ألف نسمة، ويصل عدد زوارها إلى قرابة مليوني زائر سنويًا، كما يشكل سكانها مزيجًا من مختلف جهات البلاد، ما يعكس طابعها المنفتح والمتعدد.
تُعد جربة فضاءً مفتوحًا على التاريخ والذاكرة، حيث تتداخل المعالم الدينية والثقافية والمعمارية في نسيج واحد يعكس عمق الحضارة وتنوعها.
يأتي في مقدمة هذه المعالم كنيس الغريبة، وهو أقدم كنيس يهودي في أفريقيا، ويعود تاريخه إلى نحو 2500 عام، ويحتوي على واحدة من أقدم نسخ التوراة في العالم، ويستقبل سنويًا زوارًا خلال موسم زيارة الغريبة، حيث تتداخل الطقوس الدينية مع الاحتفالات الثقافية وتبرز حومة السوق بوصفها القلب النابض للجزيرة، حيث تتشابك الأزقة والأسواق، وتزدهر الحرف التقليدية والصناعات اليدوية، وتستمر الحياة اليومية بوصفها امتدادًا حيًا للتراث.
ويحتل متحف الفنون والتقاليد الشعبية مكانة مهمة، إذ يعرض الأزياء والمجوهرات والفخار والأدوات التقليدية، ويوثق أنماط العيش القديمة في الجزيرة.
وتأتي بلدة قلالة في الجنوب، وتشتهر بصناعة الفخار منذ العصور القديمة، وتستمر فيها الحرفة كجزء من الهوية الثقافية، وتضم متحفًا يوثق العادات والتقاليد والحياة الاجتماعية.
وتنتشر المساجد الصغيرة في مختلف أنحاء الجزيرة، ما يمنحها طابعًا روحانيًا خاصًا، إلى جانب البيوت البيضاء ذات القباب والأبواب الزرقاء التي تشكل جزءًا من الهوية البصرية للجربة.
تجسد جربة فضاءً تاريخيًا متراكب الطبقات، تتداخل فيه الأزمنة وتتعاقب فيه الحضارات، ويظل التاريخ حاضرًا في تفاصيل المكان والإنسان. مرت على الجزيرة حضارات متعددة من الفينيقيين والرومان إلى البيزنطيين، ثم جاء الفتح الإسلامي سنة 47 هجرية، فتشكلت هوية ثقافية تجمع بين التأثيرات المتوسطية والخصوصية المحلية، ويظهر التاريخ في العمارة التقليدية والأسواق القديمة والبيوت البيضاء، ويعكس الموقع الجغرافي للجزيرة دورها كفضاء للتواصل والتبادل بين الشعوب.
تتحول جربة في الخطاب الأدبي إلى فضاء رمزي مفتوح على التأمل، وتغدو مادة خصبة للكتابة والسرد، حيث يتداخل الإنسان بالمكان في علاقة جمالية وروحية، ويصبح البحر رمزًا للحرية والامتداد، وتتحول البيوت البيضاء إلى إشارات للنقاء والسكينة، وتغدو الأزقة مسارات سردية تحمل ذاكرة المكان. وقد ألهمت جربة العديد من الكتّاب والشعراء، لما فيها من صمت عميق، وحركة هادئة، وتاريخ متراكم، مما جعلها أقرب إلى نص أدبي مفتوح يتعدد تأويله ويستمر حضوره في المخيلة الإبداعية.
يتجلى البعد الفني في جربة من خلال الرسم على الجدران الذي حول الفضاء العمراني إلى معرض بصري مفتوح، حيث يمتزج التراث بالفن المعاصر في تجربة فريدة. وفي قرية الرياض، يبرز مشروع جربة هود بوصفه تجربة فنية عالمية، شارك فيها فنانون من دول مختلفة، وحولوا الجدران البيضاء إلى أعمال فنية تجمع بين الخط العربي والغرافيتي والرموز المحلية. تتحول الجدران إلى صفحات مفتوحة، وتتحول الألوان إلى لغة بصرية تعبّر عن الهوية والتنوع، ويصبح الشارع فضاءً دائمًا للإبداع يجمع بين المحلي والعالمي.
اما المهرجانات تحتل في جربة مكانة مهمة في الحياة الثقافية، حيث تشكل فضاءات للاحتفال بالهوية المحلية والترويج للتراث والفنون، وتتنوع بين الموسيقى والفنون الشعبية والحرف التقليدية، وتساهم في تنشيط الحركة السياحية والثقافية. ومن أبرزها مهرجان جربة الدولي الذي يجمع عروضًا موسيقية ومسرحية وفنية، إلى جانب مهرجانات التراث التي تبرز الصناعات التقليدية والفلكلور المحلي، إضافة إلى الفعاليات الصيفية التي تنعش الجزيرة وتستقطب الزوار من داخل تونس وخارجها، لتتحول جربة خلال هذه الفترات إلى مسرح مفتوح للفرح والإبداع.
تقدم جزيرة جربة نموذجًا حضاريًا متكاملًا يجمع بين التاريخ العميق والتنوع الثقافي والجمال الطبيعي والحيوية الفنية، وتكشف عن قدرة المكان على احتضان التعدد وتحويله إلى قيمة إنسانية وجمالية، وتظل جربة فضاءً حيًا للذاكرة والإبداع، وجسرًا بين الماضي والحاضر، وبين الإنسان ومحيطه، لتبقى بحق جزيرة الأحلام ومرآة المتوسط الحيّة.




