مقالات

بين عمر الزهور… وكيس الدواء

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي 

في بداية الحياة، نظن أن العمر طويل بما يكفي لنؤجل كل شيء…نؤجل الحب، والاعتذار، والراحة، وحتى أنفسنا.

نمضي بخفةٍ تشبه خفة الزهور حين تتفتح أول مرة، لا تحمل همًّا ولا تعرف أن للوقت وجهًا آخر لا يشبه الربيع.

نولد ممتلئين بالحياة، نركض نحو الأيام بقلوبٍ لا تخاف، وأجسادٍ لا تعرف معنى الألم.

كانت أحلامنا أكبر من تعبنا، وكانت ضحكاتنا تأتي بلا سبب، وكانت أمهاتنا يكتفين بقبلةٍ على الجبين لتشفى أرواحنا من كل شيء.

ثم… يكبر العمر قليلًا..تبدأ الحياة بإهدائنا أول صفعةٍ حقيقية.

نكتشف أن القلوب ليست كلها صادقة، وأن الطرق ليست دائمًا آمنة، وأن الإنسان قد يُهزم من أشياء لم يكن يتوقعها أبدًا؛ كلمة، خذلان، فقد، أو حتى صمتٌ طويل من شخصٍ كان يومًا وطنًا كاملًا.

ومع مرور السنوات، لا يتغيّر شكلنا فقط… بل تتغيّر أرواحنا أيضًا.

تبهت الضحكة قليلًا، يصبح الصمت أطول، ويكبر داخلنا شيء لا يراه أحد.

حتى نصل فجأة إلى تلك اللحظة التي نمسك فيها “كيس الدواء” لأول مرة…

ليس كيسًا عاديًا كما يبدو للناس، بل حقيبة صغيرة ممتلئة بالحكايات المؤلمة.

في داخله حبةٌ للضغط الذي صنعته المسؤوليات، وأخرى للصداع الذي سببه التفكير الطويل، و علاجٌ للقلب الذي أتعبه القلق،

وأدويةٌ لأوجاعٍ لم تأتِ من العمر وحده… بل من البشر أيضًا.

كيس الدواء لا يكشف أمراض الجسد فقط، بل يفضح كل ما أخفيناه لسنوات.

يكشف الليالي التي بكينا فيها بصمت، والخذلان الذي قلنا بعده: “أنا بخير”، والتعب الذي تجاهلناه لأن الحياة لم تمنحنا رفاهية التوقف.

الغريب أننا حين كنّا صغارًا، كنا نخاف من الإبرة فقط…

أما اليوم، فنحن نخاف من نتائج التحاليل، ومن مواعيد المستشفيات، ومن ذلك السؤال الذي يطرحه الطبيب بنبرةٍ هادئة بينما ترتجف أرواحنا خوفًا من الإجابة.

وفي لحظة صدقٍ موجعة، يكتشف الإنسان أن الحياة لم تكن سباقًا نحو المال أو المناصب أو الانتصارات الصغيرة…

بل كانت رحلة بحثٍ طويلة عن الطمأنينة.

أن تنام دون قلق…

أن تجد قلبًا يحتويك…

أن تضحك من أعماقك دون أن تخفي وجعك خلف الابتسامة…

هذه هي النِعم التي لا ندرك قيمتها إلا متأخرين.

ومع كل هذا، يبقى الإنسان مدهشًا.

رغم أوجاعه، يستيقظ كل صباح ويحاول.

يشرب دواءه بيد، ويحمل مسؤولياته باليد الأخرى.

يبتسم للناس بينما يخوض داخله حربًا كاملة لا يسمع صوتها أحد.

لهذا…لا تسخر من تعب أحد، ولا تستهِن بصمت إنسان،

فبعض الأرواح تمشي بيننا بكامل أناقتها، بينما هي من الداخل تتكئ على كيس دواء… وعلى رحمة الله فقط.

العولمة… حين يصبح العالم قريةً واحدة

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬