مقالات

بين جفني راحت الاطياف تحكي عن منانا

بقلم الكاتبة : د. سوسن توفيق حنفي

بقلم الكاتبة : د. سوسن توفيق حنفي

في كثير من الأيام ، لا يكون الألم ما يثقل صدورنا ، بل ما تحمله داخلها من ذكرى.

جاءت إلى الطوارئ بخطواتٍ متثاقلة، ليس عجزًا، بل حملٌ خفيّ لا يُرى. كان أولادها يحيطون بها بقلقٍ صادق حنون، و يلحّون عليها أن تهدأ ، و أن تطمئن أن ما تشعر به ليس خطرًا يهددها.

ـ مجرد ألم في الصدر ـ قالتها لهم، لكن نبرتها لم تكن تطمئن أحدًا.

“ألم في الصدر” عبارة تتكرر عشرات المرات يوميًا في الطوارئ ، ومن أكثر أسباب زيارة الطوارئ ، لكنها في كل مرة تحمل حكاية مختلفة.

جلست أمامي، هادئةً على غير عادة من يشكو ألمًا صدريًا. سألتها، فوصفت الألم بدقة، لكن شيئًا في عينيها واختلاجات صوتها كان يقول أن القصة ليست هنا. بعد الفحص الأولي، أخبرتها بضرورة استثناء الذبحة الصدرية، وأننا سنحتاج إلى بعض الفحوصات للاطمئنان.

نظرت إليّ نظرةً عميقة، ثم ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت:

“أنا أعلم ما بي…”

صمتت لحظة، صمت من يتخير كلمات وجعه ويهذبها قبل أن يبوح بها ، ثم استطردت :

“إنه حنيني لزوجي ، توفي قبل فترة وجيزة ، وترك في روحي جرحًا غائرًا لا يندمل، وهدجًا في ضلوعي لا يهدأ.”

في تلك اللحظة، بدا كل شيء واضحًا ومربكًا في آنٍ واحد.

كان الألم في صدرها حقيقيًا ، لكنه لم يكن من شريانٍ مسدود ، بل من غيابٍ طويل وباب إلى الحبيب مسدود.

أعلم يقينًا أن بعض الأوجاع لا تنتمي إلى الأمراض العضوية، بل إلى الالتقاء الغامض بين الروح والجسد، حيث يتحول الشعور إلى عرض، والحنين إلى وجعٍ حقيقي في الصدر.

بدأت تحكي :  قالت إن الحياة كانت يومًا جميلة خفيفة، كنسمة ربيع، وأن الضحكات كانت تلازم الأيام . كان زوجها رفيق تفاصيلها الصغيرة، وسندها في التعب، وظلها حين تشتد الأيام.

“كنا نظن أن كل شيء سيبقى…” قالتها وهي تحدق في الفراغ، كأنها ترى من خفاياه وجهًا تعرفه جيدًا.

توقفت قليلًا، ثم أغمضت عينيها، وكأنها تفتح بابًا داخليًا على زمنٍ آخر.

“تعرفين؟ أحيانًا لا يؤلمنا الفقد بقدر ما يؤلمنا أننا لم ننتبه للنهاية حين كانت تقترب…”

استطردت قائلة : الفقد ليس غياب الشخص فقط، بل غياب نسخة منك كانت لا تظهر إلا معه، وروحك الحية معه.

 

في تلك اللحظة، انكشف لي جانبٌ خفي منا :

أننا لا نملك شخصية واحدة فقط ، بل نحمل في دواخلنا وجوهًا أخرى، وأصواتًا أخرى، وذواتًا لا تكتمل إلا بوجود من نحب.

وحين يرحلون… لا يرحلون وحدهم، بل يأخذون معهم جزءًا منا.

سألتها: هل اشتقتِ له هذا الحد ؟

أجابت بصوتٍ خافت: “ليس الاشتياق هو الكلمة، بل فراغٌ لا يمكن لأحد ملؤه.”

قلت لها مواسية: سيخف الألم مع الوقت .

ابتسمت ساخرة وقالت:

“الوقت لا يداوي وإلا ما احتجنا إليكم يا معشر الأطباء. هو فقط يعلّمنا كيف نتعايش مع ما لا يُداوى.”

ثم أضافت:

“نحن لا ننسى، نحن فقط نرتّب الذكريات في الأرشيف بطريقة تسمح لنا أن نكمل الحياة دون أن ننهار كل يوم.”

في تلك اللحظة، شعرت بعد كل سنيني في الطوارئ ، أن إنسانةً كانت تعيد تعريف الألم أمامي بطريقة لم أعرفها .

كانت تتكلم بهدوء وصوت هامس وكأنها تمشي فوق خيوط الذكرى، تخشى أن تنقطع بها. لم تبكِ، لكن عينيها كانتا تتلألآن بالدموع جاهدة كتمها.

قالت:

“كبرنا فجأة… دون أن نشعر. تركنا خلفنا أشياء كثيرة، أو ربما هي التي تركتنا. لم نعد كما كنا، ولا نعرف كيف نعود.”

ثم سكتت طويلًا…

وكان صمتها أبلغ من كل حديث.

اعتدت إنعاش القلوب بعد توقفها ، لكن من الصعب إنعاشها وهي تخفق حية.

كان علي أن أطمئن على شرايينها… لكن من يُسكِن ذلك الحنين الذي يَسكُن أضلاعها؟

وقبل أن تغادر، نظرت إليّ وقالت:

“الغريب أننا نعيش ونمضي في دروب الحياة ، لكن بعضنا يبقى عالقًا في مكانٍ مضى.”

ثم ابتسمت… ابتسامة تشبه الوداع.

ربما لهذا، حين تتراكم الذكريات، لا تبقى مجرد صور، بل تصبح حياةً موازية، تسكن بين جفني الإنسان، وتهمس له كلما أغمض عينيه:

بين جفني راحت الاطياف تحكي عن منانا

وتغني في الليالي بأناشيد لقانا

 

فتح الدهر ذراعيه فخلناه اصطفانا

وصحى الورد مع العطر المندى ودعانا

 

ففرحنا ومرحنا وانطلقنا في صبانا

ذكريات ليتها ترجع ما في العمر كان

 

اه منها لست ادري كيف ضيعنا الحنان

فانطوى كالليل والافراح تاهت عن هنانا

أيهما يقاس العمر أم الحياة ؟!

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬