مقالات

أيهما يقاس العمر أم الحياة ؟!

بقلم الكاتبة : د. سوسن توفيق حنفي

بقلم الكاتبة : د. سوسن توفيق حنفي

في احدى ليالي الطوارئ الهادئة نسبيًا ، التي كان العمل فيها يسير على وتيرة واحدة وبحالات مستقرة نسبًيا ، لكن هيهات أن ينتهي يومنا هكذا.

في تلك الليلة، وفي بداية الحدث، كانت الأمور تمشي برتابة عملية معتادة من غير ما يلفت.

مريضان، سريران متجاوران، إجراءات تسير كما اعتدنا.

حتى بدأنا ملاحظة أن الاسم يتكرر.

الاسم الثلاثي نفسه… بالحروف ذاتها.

نظرنا مرةً، ثم أخرى، وكأن الخطأ في أعيننا لا في الواقع.

وحين سُجّل العمر، اكتملت المفارقة:

الرقمان نفسيهما… لكن معكوسين.

لم يكن في الأمر ما يُفسَّر، ولا ما يُبنى عليه، فالحياة مليئة بالمفارقات العجيبة.

ومع ذلك… بقي في الذهن شيءٌ لا يستقر.

الشاب كان على السرير الأول.

في وجهه بقايا استعجالٍ لم يُستهلك بعد،

وفي جسده إشارات لا تُطمئن. ومع ذلك كان يئن ويصرخ رفضًا لبعض العقاقير والمهدئات ظنًا أن جسده كما اعتاده ليس في حاجة لها.

أما الآخر، فكان أكثر سكونًا…ورضوخًا أو استسلامًا .. لا أدري بأيهما أفسر حاله.

كأن الزمن مرّ به بما يكفي ليهدأ، وصروف الحياة روضت روحه بما يكفي لتخنع.

كان يتقبل كل مانشرح له أنه في حاجته ويرد بالشكر والدعاء لنا.

بدأ التدهور للشاب سريعًا. ليس ذلك التدهور الذي يمنحك

وقتًا لتفهم،بل ذاك الذي يسبق الفهم،

ويتركك تركض خلف ما يحدث دون أن تلحق به.

ارتفعت الأصوات حول السرير الأول،

تداخلت الأوامر، وتسارعت الخطوات…

كأن الجميع يحاول أن يسبق لحظةً نعرف أنها قادمة،

لكننا نرفض أن نستسلم لها وندعها تمر.

وفي السرير المجاور…

كان الآخر ينظر.

لا بخوف، ولا بدهشة،

بل بذلك الصمت الذي يشبه الفهم… من فهم الحياة وصروفها وتقلباتها.

انتهى الأمر بسرعة.

ليس كما تُروى النهايات،

بل كما تحدث فعلاً

تتوقف المحاولات،

يهدأ كل شيء فجأة، وسكون تام بعد ضجيج عارم،

ويترك المكان فراغًا لا يُملأ.

لم يتغير وجهه كثيرًا،

كأن الحياة مرّت به سريعًا…

ثم انسلّت بقوة، وانطفأت شعلتها بريح عاتية.

أما الآخر… فبقي.

استقرت علاماته،وتحسنت حالته،

وبعد ساعاتٍ قليلة، كان يتحدث، ويسأل، ويبتسم.

وفي الصباح، غادر.

يمشي على قدميه،

باسمٍ هو نفسه الاسم الذي كُتب قبل ساعاتٍ قليلة على تقرير وفاة،وفي الغرفة ذاتها.

لم يكن السؤال: كيف حدث هذا؟

فالطوارئ لا تُجيب عن هذا النوع من الأسئلة.

بل كان هناك شيءٌ آخر،

أقل وضوحًا… وأكثر إلحاحًا

كأن العمر الذي يُقاس بالسنين،

ليس هو ذاته الذي يُعاش.

مرّت فكرةٌ عابرة،

لا كإجابة، بل كاحتمالٍ لا يكتمل.

ما يُنسب إلى سيد قطب:

“وليست الحياة بعدد السنين، ولكنها بعدد المشاعر، لأن الحياة ليست شيئًا آخر غير شعور الإنسان بالحياة.”

لكن المعنى لم يستقر.

لم يكن ممكنًا الجزم

هل تُقاس الحياة بما نشعره؟

أم بما ننجو منه؟

أم بما نعمله؟

أم بشيءٍ آخر لا نملك له اسمًا؟

لم أعد أعرف

هل نعيش لنحيا،

أم نحيا لنعيش؟

أم أننا كما قال محمود درويش

“ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا”

فنقترب منها حينًا،

وتفلت منا في أكثر اللحظات صدقًا.

 

خرج…

وبقي الاسم الآخر معلقًا في الذاكرة،

لا لشيءٍ فعله، ولا لقصةٍ تُروى عنه،

بل لأنه مرّ سريعًا جدًا

إلى درجةٍ جعلت حضوره يبدو كسؤال.

في الطوارئ، نرى كثيرًا مما لا يُفسَّر،

ونتعلم مع الوقت أن لا نُلحّ في طلب الإجابة.

ليس لأن الإجابة غير موجودة،

بل لأن الحياة لا تبدو ملزمة بأن تمنحنا إياها.

هذا هو نهجها وديدنها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬