الضباب المؤسسي: واقع مزعج أم فرصة لإعادة التوازن؟

بقلم الكاتبة : احلام عبده اليحياوي
في زمن تتسارع فيه القرارات وتتبدل فيه توجهات المؤسسات بوتيرة غير مسبوقة، بات الغموض جزءًا حاضرًا في بيئة العمل الحديثة. وقد لا يكون هذا الضباب ناتجًا عن سوء إدارة بقدر ما هو انعكاس لطبيعة الأسواق وتقلباتها. لكن تأثيره على الموظفين يبقى واضحًا: تراجع في الإحساس بالاستقرار، وارتفاع في مساحة التساؤلات التي لا تجد جوابًا مباشرًا.
فالإنسان بطبيعته لا يخشى التحول، لكنه يخشى المساحات التي لا يرى فيها ملامح الطريق. وعندما تلوح التغييرات دون تفسير، تنشأ بيئة خصبة للتأويلات والافتراضات، ومع الوقت يبدأ الموظف في فقدان بوصلته المهنية. ويتحول التركيز من الإنتاجية إلى محاولة قراءة ما بين السطور، ليصبح اليوم الوظيفي ثقيلاً بلا داعٍ.
ورغم ذلك، يبقى للموظف مساحة تأثير لا ينبغي أن يغفل عنها. فحتى في أكثر الفترات غموضًا، يمكن للمرء استعادة توازنه من خلال التركيز على ما هو داخل دائرة السيطرة: جودة العمل، تطوير المهارات، وصون العلاقات المهنية. هذه العناصر الثلاثة هي خطوط الدفاع التي تمنح الموظف ثباتًا حتى في أحلك الفترات.
ولا يقل عن ذلك أهمية أن يتجنب الموظف الدوران في فلك الإشاعات. فالسعي خلف القيل والقال يستنزف الطاقة ويضاعف القلق، بينما الهدوء والتروي يمنحان القدرة على التفكير الناضج واتخاذ قرارات أكثر اتزانًا. كما أن الحفاظ على روح التعاون داخل الفريق يخلق بيئة أهدأ، ويعزز الشعور المشترك بالأمان، وهو ما يخفف وطأة أي تغييرات مفاجئة.
القيمة المهنية لأي فرد لا تُقاس بمرحلة استثنائية أو ظرف عابر، بل بقدرته على التعامل مع التحديات بعقلية ناضجة. ومن يستطيع أن يتقدم بثبات داخل مرحلة ضبابية، سيخرج منها أكثر وعيًا بنفسه وبمكانه داخل المؤسسة. فالاستقرار الحقيقي لا يأتي دومًا من القرارات الخارجية، بل من القناعة الداخلية بأن القوة الحقيقية تبدأ من الذات.
ومهما تعددت أسباب الغموض في المؤسسات، يبقى التعامل معه مهارة لا تقل أهمية عن أي مهارة فنية. والموظفون القادرون على تحويل الضباب إلى فرصة للتعلم، هم أولئك الذين يصنعون لأنفسهم طريقًا متينًا وسط العواصف. فالاتزان الداخلي لم يعد ميزة إضافية فحسب، بل أصبح إحدى الركائز الأساسية للنجاح المهني في عصر تتغير فيه المعادلات كل يوم.




