مقالات

الأشياء التي لم يَرَها أحد

   بقلم الكاتبة فاطمة عواجي

   بقلم الكاتبة فاطمة عواجي

ليست الحياة تلك الصور التي نلتقطها، ولا الضحكات التي يسمعها الناس، ولا الكلمات التي ننطق بها كل يوم.

الحياة الحقيقية هي تلك الأشياء التي لم يرها أحد.

هي الدموع التي ابتلعناها قبل أن تسقط. والرسائل التي كتبناها ثم حذفناها. والاعتذارات التي كنا نستحقها ولم تأتِ. والأحلام التي دفناها بأيدينا حتى لا نُتعب من حولنا.

كل إنسان يحمل في داخله حياةً كاملة لا يعرفها أحد.

هناك نسخة منك يعرفها زملاؤك. ونسخة يعرفها أصدقاؤك. ونسخة تراها عائلتك.

لكن هناك نسخة أخرى… لا يعرفها أحد سواك.

نسخة تستيقظ في منتصف الليل مثقلة بالأفكار. ونسخة تتظاهر بالقوة بينما هي تتكئ على آخر ما تبقى من صبرها. ونسخة تتذكر كل شيء رغم أنها تدّعي النسيان.

نحن لا نتعب من كثرة ما نفعله… بل من كثرة ما نُخفيه.

نُخفي الخيبة كي لا نحزن من نحب. ونُخفي القلق كي لا نظهر ضعفاء. ونُخفي انكساراتنا لأن العالم لا يحب رؤية الكسور البشرية.

فنصبح مع الوقت محترفين في إخفاء أنفسنا.

نضحك عندما لا نريد الضحك. ونطمئن الآخرين بينما نبحث نحن عمّن يطمئننا. ونربّت على أكتاف الجميع بينما لا نجد كتفًا نسند رؤوسنا إليه.

ومع مرور السنوات نكتشف حقيقة مؤلمة:

أن معظم معاركنا لم تكن مع الناس…

بل مع أنفسنا.

مع ذلك الصوت الذي يطلب منا الصبر كل يوم. مع الذكريات التي ترفض المغادرة. مع الأمنيات التي تأخرت. مع الخذلان الذي نحاول تبريره. ومع القلب الذي يصرّ على الشعور رغم كل ما مرّ به.

وربما لهذا السبب يكبر الإنسان فجأة.

ليس عندما يتقدم به العمر… بل عندما يكتشف أن بعض الأحلام لن تعود، وأن بعض الأشخاص لن يفهموه، وأن بعض الأوجاع سيحملها وحده حتى النهاية.

ومع ذلك يستمر.

وهنا تكمن عظمة الإنسان.

أنه يمضي رغم كل شيء.

يمضي بقلب مثقل، وروح مرهقة، وابتسامة متعبة، لكنه يمضي.

لأن الحياة لم تكن يومًا طريقًا للمرفهين من الوجع، بل كانت طريقًا للذين يتعثرون، ثم يقفون، ثم يتعثرون مرة أخرى، ثم يقفون من جديد.

وفي آخر الطريق لن يذكر الناس كم بكيت، ولا كم خذلتك الحياة، ولا كم مرة انهرت بعيدًا عن أعينهم.

لكن الله يعلم.

يعلم عدد الليالي التي قاومت فيها نفسك. ويعلم كم مرة ابتسمت وفي صدرك ألف حكاية. ويعلم حجم التضحيات التي لم يصفق لها أحد.

ولعل أجمل ما في الأمر…

أن الأشياء التي لم يرها أحد فيك، رآها الله كلها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬