مقالات

حين تعيش… ولا تشعر

بقلم الكاتبة: حنان سالم باناصر

بقلم الكاتبة: حنان سالم باناصر

هناك سؤال صامت يتكرر داخل الكثيرين: لماذا لم أعد أشعر بالمتعة كما كنت؟ لماذا تمر الأيام عادية، حتى اللحظات الجميلة، دون أثر حقيقي؟
الإجابة ليست سطحية، وغالبًا لا تتعلق بضعف في الشخصية أو جمود في المشاعر، بل بحالة داخلية أعمق.

الاستمتاع ليس حدثًا خارجيًا… بل قدرة داخلية. هذه القدرة تحتاج إلى مساحة هادئة داخل النفس، لكن عندما يمتلئ الإنسان بالضغوط—مسؤوليات متراكمة، تفكير زائد، توقعات لا تنتهي—يتحوّل تركيزه تلقائيًا من “الاستمتاع” إلى “النجاة”. يعيش يومه ليُنهيه، لا ليشعر به.

من الناحية العلمية، عندما يستمر التوتر لفترة طويلة، يدخل الجسم في ما يُعرف بـ الاستجابة للضغط المزمن، وهي حالة يبقى فيها الجهاز العصبي في استنفار دائم. هذا الوضع يؤثر على كيمياء الدماغ، خصوصًا مادة الدوبامين المسؤولة عن الإحساس بالمكافأة والمتعة. ومع الوقت، تخفّ استجابة الإنسان للأشياء التي كانت تسعده؛ الضحكة تصبح أخف، والفرح أقصر، واللحظات تمر بلا عمق. ليس لأن المشاعر اختفت، بل لأنها أُرهقت.

سبب آخر لا يقل أهمية، هو العيش وفق توقعات الآخرين. عندما تصبح اختياراتك انعكاسًا لما يريده غيرك، تفقد اتصالك بنفسك تدريجيًا. الإنسان لا يستمتع بشيء لا يشبهه، ولا يشعر بالامتلاء من حياة لا تعبّر عنه. ومن هنا يبدأ ذلك الفراغ الصامت.

ثم يأتي التفكير الزائد ليسرق ما تبقى. الانشغال بالماضي أو القلق من المستقبل يجعلك غائبًا عن اللحظة الحالية. جسدك حاضر، لكن وعيك موزع. وهذا ما تشير إليه أبحاث علم النفس حول تشتت الانتباه وضعف الحضور الذهني، حيث يرتبط غياب التركيز على “الآن” بانخفاض الشعور بالرضا.

وهناك أسباب أخرى قد لا ننتبه لها بسهولة. من بينها ما يُعرف بـ التكيف مع المتعة، حيث يعتاد الإنسان على النِعم بسرعة، فتفقد بريقها مع الوقت مهما كانت جميلة. كذلك، الإرهاق العاطفي المستمر قد يقود إلى حالة قريبة من الاحتراق النفسي، فيصبح الشعور باهتًا والطاقة منخفضة. ولا يمكن إغفال أثر نمط الحياة السريع وكثرة المشتتات، إضافة إلى قلة النوم، التي تؤثر مباشرة على التوازن النفسي—كما تؤكد أبحاث Harvard Medical School.

لكن رغم كل ذلك، استعادة القدرة على الاستمتاع ممكنة. البداية لا تكون بإضافة المزيد من الأنشطة أو الإنجازات، بل بإزالة ما يثقل الداخل. أن تخفف الضغط عن نفسك، أن تتوقف قليلًا عن ملاحقة الكمال، أن تسمح لنفسك بلحظات بلا تحليل.

العودة للحظة الحالية خطوة أساسية، وهو ما يُعرف بـ اليقظة الذهنية؛ أن تعيش ما يحدث الآن كما هو، دون تشتيت أو حكم. كذلك، إعادة الاتصال بالذات: أن تسأل نفسك بصدق ماذا تريد أنت، لا ما يُتوقع منك. ومعها، تقليل التفكير الزائد، والاهتمام بالجسد من نوم كافٍ وحركة وتغذية متوازنة، لأن النفس لا تنفصل عن الجسد.

وفي بعض الحالات، قد يكون فقدان المتعة أعمق من مجرد ضغط عابر، وقد يرتبط بحالة مثل الاكتئاب، خاصة إذا استمر الشعور لفترة طويلة وأثر على النوم والطاقة والرغبة. هنا، لا يكون تجاهل الأمر حلًا، بل طلب المساعدة خطوة وعي وقوة.

في النهاية، ربما السؤال الأهم ليس: لماذا لا أستمتع؟
بل: ماذا أحمل في داخلي يمنعني من ذلك؟

أحيانًا، الحياة ليست ناقصة كما نظن…
لكننا مثقلون أكثر مما ينبغي لنشعر بها.

والوعي بهذه الحقيقة… هو بداية الطريق.

 

دائرة التفكير القاتلة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬