مقالات

بوارق مكيّة

د. لينه بنت حسن عزوز

د. لينه بنت حسن عزوز

ومن أسعد المشاهد وأعزها، رؤية الوفد الميمون في هذا الشهر الكريم من الأشهر الحُرم، هؤلاء البررة الذين أتوا جميعاً وأشتاتاً، رجالاً وركباناً على كل ضامر، أتوا وقد ركبوا الفيافي والقفار والمفازات، وارتحلوا على متن البحر والسحاب، تجاوزوا كل خطوط الطول والعرض، وأتوا معبّقين بشذى الأشواق والحنين، أتوا بأفئدتهم التي تهوي إلى البيت العتيق، من كل فجٍّ عميق ومكان سحيق، أتوا إلى رباطهم المقدس وثكناتهم المباركة مفعمين بالإيمان والإحسان، يُسبّحون بحمد ربهم، ويؤدّون ما أمرهم ربهم من فريضة الحج، ويستغفرون لأنفسهم ولمن في الأرض، يحصون أسماء ربهم الحسنى في عليائه وقد منّ عليهم ووقاهم وعثاء السفر وطوى عنهم البعد وبلغهم مأمنهم صوب رِباع مكة الطيبة الطاهرة، وقد تزوّدوا بالتقوى، وتعلموا مناسكهم التي أخذوها عن رسولهم صلى الله عليه وسلم، أذّن فيهم إبراهيم بالحج وجاء بهم حادي الشوق لفيفاً، أتوا يحصدون خيرات وطيبات، ويتلقّفون بركات ومسرّات، ويشهدون منافع لهم وأرباحاً ومغانم كثيرة، يعظمون حرمات الله، وشعائر الله، إنهم يذرون العاجلة وراء ظهورهم، ويحبون الآخرة،﴿ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ۚ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ

لقد كانوا يَغذّون الخطى بهيبة وجلال، سيماهم في وجوههم من أثر السجود والإيمان، وعلى جباههم وقار المتقين، وفي سحنتهم مخايل البرّ، وفي قلوبهم أمنيات العمر، وعلى ألسنتهم أدعية السنين، وفي جوراحهم عزمات الدهر، إنهم يصطنعون لأنفسهم في السماء نُزلاً كريماً، ومجداً وهاجاً، وذكراً دفّاقاً..!

إن هذا الحج له رونقٌ وبهاءٌ وكرم ..

ومكة في الحج وطنٌ وغيمٌ وعطرُ خزامى ..

اللهم اغمرهم بالسكينة والتيسير والرضوان، واحفظهم وما كانوا يعرِشون، وبلغهم ما يرجون .

أيها الحجاج: إن لكم في أيامكم هذه قصصٌ وأنباءٌ ومواقف ذات حُبُكٌ؛ فاتخذوا من مقام إبراهيم مصلى، وألظوا بياذا الجلال والإكرام، واستعينوا بالله واصبروا ..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬