الإنسان الذي استنزفه الكمال

بقلم الكاتبه: حنان سالم باناصر
هناك أشخاص لا يتعبهم العمل بقدر ما يتعبهم السعي لأن يكون كل شيء كاملًا.
الكلمات يجب أن تُقال بطريقة مثالية، والإنجاز يجب أن يظهر بصورة متقنة، والقرارات يجب ألا تحتمل الخطأ، وحتى مشاعرهم يحاولون ترتيبها بعناية حتى لا يبدوا ضعفاء أمام أحد.
ومع الوقت، لا يتحول الكمال إلى ميزة… بل إلى عبء خفي يستهلك الإنسان من الداخل.
المشكلة أن السعي للكمال غالبًا لا يبدأ من الغرور كما يظن البعض، بل يبدأ من خوف عميق؛ خوف من النقد، من التقصير، من خسارة الصورة الجيدة أمام الآخرين، أو من الشعور بأن القيمة الشخصية مرتبطة دائمًا بحجم الإنجاز ودقته.
فيعيش الإنسان تحت ضغط مستمر، يراجع نفسه أكثر من اللازم، ويؤجل خطواته حتى “تكتمل الصورة”، ويرفض المحاولة أحيانًا لأنه لا يريد نتيجة عادية.
وهنا يصبح الكمال سببًا للتعطّل بدلًا من التقدم.
أرى أن أكثر الناس إنهاكًا ليسوا دائمًا أصحاب الأعمال الشاقة، بل أولئك الذين يحملون داخلهم معايير قاسية لا تتوقف.
حتى بعد النجاح، لا يشعرون بالرضا الكامل، لأن أعينهم تتجه مباشرة إلى ما كان يمكن أن يكون أفضل.
والأصعب من ذلك أن الشخص المُستنزَف بالكمال نادرًا ما يشعر بالراحة الحقيقية.
فعقله يبقى في حالة تقييم دائم؛ يراجع المواقف، ويحلل الكلمات، ويقارن الأداء، ويعيد التفكير في تفاصيل قد لا يلاحظها أحد غيره.
ومع تراكم هذا الضغط، يبدأ الإنسان بفقدان متعة الأشياء البسيطة.
فالإنجاز الذي كان يجب أن يمنحه شعورًا بالفخر يتحول إلى محطة مؤقتة قبل الهدف التالي، والراحة تصبح شعورًا مؤجلًا، والرضا يبدو وكأنه شيء بعيد لا يمكن الوصول إليه.
لكن الحقيقة التي يتأخر كثيرون في إدراكها هي أن الكمال البشري غير موجود أصلًا.
فالإنسان بطبيعته يتعلم، يخطئ، يتغير، ويتطور.
وأحيانًا تكون العفوية أكثر تأثيرًا من المثالية، والمحاولة غير الكاملة أفضل من التردد الطويل، والإنجاز البسيط المستمر أعظم من انتظار الصورة المثالية التي قد لا تأتي أبدًا.
ليس مطلوبًا من الإنسان أن يكون نسخة مثالية طوال الوقت، بل أن يكون متزنًا، صادقًا مع نفسه، وقادرًا على العيش دون أن يدخل في حرب دائمة مع أخطائه.
فالذين ينجون نفسيًا ليسوا دائمًا الأكثر كمالًا…
بل الأكثر تصالحًا مع إنسانيتهم.



