ملح التفاوض وميزان العدالة: كيف تُصنع الشراكة المهنية الناجحة؟

بقلم الكاتبه -حنان القرني
في العلاقات المهنية لا تُبنى العلاقات الناجحة بالعقود وحدها،بل بميزان دقيق يزن القيمة مقابل التقدير ،هذا الميزان لا يستقيم إلا بـ«ملح التفاوض» ،فهو الذي يمنح العرض الوظيفي نكهته وقبوله ،وكما أن الملح إذا غاب بهت الطعام، وإذا زاد أفسده كذلك التفاوض ،فالتنازل المستمر يكسر كفة الموظف، والتشدد الأعمى يميل بكفة المنظمة، وبين الأخذ والعطاء تولد المعادلة العادلة.
ولهذا لا تبدأ المفاوضات الحقيقية عند توقيع العقد، بل منذ اللحظة التي يدرك فيها الإنسان قيمته المهنية ،فبعض الناس يدخلون أي مقابلة وهم يشعرون أنهم يطلبون فرصة، لا أنهم يقدمون قيمة وهنا يختل ميزان التفاوض من البداية.
وفي سوق العمل تدخل بعض الجهات التفاوض بعقلية «تقليل الخسائر»، فتحاول الحصول على أكبر قدر من الجهد بأقل تكلفة ممكنة، ثم تعتبر قبول المرشح انتصارًا تفاوضيًا ، بينما الحقيقة أن الكفاءات لا تُقاس فقط بما تتقاضاه، بل بما تستطيع أن تصنعه من أثر واستقرار ونمو داخل المنظمة.
ولهذا ظهرت فلسفة «Win-Win» أو «رابح – رابح»، أي أن يخرج الطرفان من التفاوض وهما يشعران أن الاتفاق عادل بما يكفي ليستمر، لا أن يشعر أحدهما أنه انتصر بينما خرج الآخر مثقلًا بشعورٍ بعدم الإنصاف.
فالجهات الذكية لا تنظر إلى الموظف كرقم في بند المصروفات، بل كاستثمار طويل الأمد ،ولذلك لا تبني عروضها على الراتب وحده، بل على مزيج من التقدير، وفرص التطور، والمرونة، وجودة البيئة، والشعور بالمعنى المهني. لأن الإنسان قد يقبل الوظيفة لأجل المال… لكنه لا يستمر طويلًا إذا فقد احترامه لذاته داخل المكان.
وفي المقابل، يقع بعض المرشحين في خطأ معاكس إذ يفاوضون بعاطفة الخوف أو بدافع المقارنة بالآخرين، فيقبلون بعروض لا تشبه احتياجاتهم الحقيقية ،ثم يكتشفون لاحقًا أنهم لم يفاوضوا على راتب فقط، بل فاوضوا على وقتهم، وصحتهم، وتوازنهم النفسي، وحتى علاقتهم بالحياة خارج العمل.
وقد لخص القرآن هذا المعنى بدقة حين قال الله تعالى:
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ فالبخس لا يكون دائمًا في المال فقط أحيانًا يكون في التقليل من قيمة الخبرة، أو في تحميل الإنسان ما يفوق طاقته دون تقدير عادل، أو في إقناعه بأن طلبه للإنصاف«مبالغة»،كما قد يمارس الإنسان البخس على نفسه حين يقبل بما لا يليق به لأنه يشك في قيمته أو يستعجل النجاة.
حتى طريقة التفاوض نفسها تترك أثرًا طويلًا ،فبعض الموظفين ينسحبون من عروض ممتازة لأنهم شعروا أثناء الحوار بعدم الاحترام، بينما يقبل آخرون عروضًا أقل لأنهم لمسوا تقديرًا حقيقيًا وإنسانية في التعامل ،فالإنسان لا يتذكر الأرقام وحدها… بل يتذكر كيف جُعل يشعر بقيمته.
وفي النهاية، فإن أفضل المفاوضات ليست تلك التي يخرج منها طرف منتصر وآخر خاسر، بل تلك التي تبدأ فيها العلاقة دون شعور بالاستغلال أو عدم التقدير،لأن الموظف قد يقبل العرض تحت ضغط الحاجة… لكنه نادرًا ما يمنح ولاءه الكامل لبيئة بدأت معه بالنقص.




