حين يصبح الغياب ثِقلاً لا يُرى

بقلم الكاتبة - فاطمة عواجي
هناك أوجاع لا تُشبه الحزن العابر، ولا تُشبه الفقد الذي نبكيه ثم نتجاوزه مع الأيام..
بل هي شعور ثقيل يسكن الجسد والروح معًا، كأن الإنسان يحمل داخله مدينة كاملة من التعب لا يراها أحد.
أن ترى أكثر شخص أحببته يرحل، ليس مجرد غياب شخص..
بل غياب الأمان الذي كنت تستند عليه دون أن تشعر.
كأنك فجأة تُترك في منتصف الطريق بلا يدٍ تطمئنك، بلا صوتٍ يقول لك: “أنا هنا”.
بعد الرحيل، لا يعود الإنسان كما كان.
الأشياء التي كانت بسيطة تصبح معركة؛
النوم يصبح محاولة نجاة،
والهدوء يصبح غريبًا،حتى الضحكة تحتاج قوة لا يملكها القلب المنهك.
تبدأ التفاصيل الصغيرة بأكلك من الداخل..
رسالة قديمة،مكان مررت به معه،أغنية،وقتٌ معين من الليل،أو حتى الصمت نفسه.
كل شيء يتحول إلى ذاكرة حيّة تعيد الوجع من جديد.
وأصعب ما في الأمر..
أنك تحاول أن تبدو طبيعيًا أمام الجميع، بينما داخلك ينهار بصمت.
تجلس بينهم، تبتسم أحيانًا، تتحدث، تنجز بعض أمورك، لكن روحك في مكان آخر تمامًا.
في تلك اللحظة التي انكسر فيها شيء بداخلك ولم يعد كما كان.
الإنسان لا يهزمه الرحيل وحده،
بل يهزمه السؤال الذي يبقى بعده:
“كيف أعيش الآن؟”
ومع ذلك..رغم كل هذا الثقل، يبقى في القلب جزء صغير يقاوم.
جزء يؤمن أن الله قادر أن يربّت على الروح بطريقة لا يفهمها البشر، وأن الأيام مهما أثقلت القلب، لا تبقى كما هي.
فالقلوب المتعبة لا تبحث عن النسيان بقدر ما تبحث عن السلام..
عن ليلة تنام فيها بلا خوف،
وصباح تقوم فيه دون ذلك الحمل الثقيل على صدرك.
بعض الجروح لا تُشفى سريعًا، لكنها مع الوقت تتعلم كيف تتعايش مع الحياة دون أن تنزف كل يوم.
والله وحده يعلم حجم المعارك التي نخوضها بصمت،
ويعلم أن هناك أرواحًا تُرهقها الحياة وهي تحاول فقط أن تبدو بخير.




