مقالات

  الذكاء الاصطناعي ، ومواقع التواصل الاجتماعي

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري

حسن بن محمد منصور مخزم الدغريري

  الحمد لله ، والصلاة ، والسلام على رسول الله ، وعلى آله ، وصحبه ، وبعد :

  معاشر القراء الكرام : إنَّ نعمة الجوالات الحديثة ، وأجهزة الحاسب الآلي نعمةٌ عظيمة إذا استخدمت فيما ينفع ، وترك منها ما يضر ديناً ودنيا ؛ وصدق الله تعالى إذ يقول : – وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا تَعْلَمُونَ – النحل : 8 وقال تعالى : – وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ – النحل : 18 فبالجوالات ، وأجهزة الحاسب الآلي ، وما فيها من مواقع تواصل اجتماعي ، وما فيها من برنامج الذكاء الاصطناعي ؛ فيها خيرٌ كثير ، وشرٌّ مستطير ؛ فهي سلاحٌ ذو حدين ، فإن استخدمت في الخير فما أحسنه ، وإن استخدمت في الشر فما أسوأه على قلب المسلم ، ودينه ، ومجتمعه ، وبلاده ؛ ولذا كان لزاماً على العبد المسلم أن يكون حذراً منها ، وما ينشر عن طريقها ؛ وسيسألنا الله عنها ؛ فالكل محاسبٌ ، ومجزيٌّ عما عملته يداه ، وما نطق به لسانه فيها ، فلنراقب ربنا قبل كلِّ رقيب ، ولنحاسب أنفسنا معها قبل كلِّ حسيب ، وصدق الله تعالى إذ يقول : – وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ – القصص : 77 وقال تعالى : – وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ – البقرة : 233 وقال تعالى : – يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ – غافر : 19 وقال تعالى : – مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ – ق : 18 وقال صلى الله

عليه وسلم : – إنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ ، مَا يَتَبَيَّنُ مَا فِيهَا ، يَهْوِي بِهَا فِي النَّارِ ، أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ – رواه البخاري ومسلم ، واللفظ له .

إخواني القراء : يجب الحذر غاية الحذر من استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي ، ونشر الباطل فيها عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي من قضايا التزوير ، والتضليل كتركيب المقاطع ، وتقليد الأصوات ، وانتحال الشخصيات ، ونسبة الأقوال زوراً إلى غير أصحابها ، وما يترتب على ذلك من مفاسد كبرى ، وجرائم عظمى ، ومن ذلك إثارة الرأي العام وتأجيجه ، والإضرار بالأمن المجتمعي ، وإشاعة الفتنة فيه ، وغيرها من صور الفساد الذي حذرنا الله منه في قوله تعالى : – وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ – البقرة : 205 – وقوله تعالى : – وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ – الأعراف : 56 ولما في هذه التقنيات الحديثة من باطلٍ عن طريق الذكاء الاصطناعي ، ونشره بواسطة مواقع التواصل الاجتماعي ؛ من غشٍّ ، وتدليس ، وكذبٍ ، وتغييرٍ للحقائق ، وإظهارٍ للباطل في صورة الحق ، يترتب عليه اعتداءٌ على أعراض الناس ، وخصوصياتهم ، وإعانةٌ على نشر الباطل ، وترويجه ، وقد نهى الله عن ذلك كله بقوله تعالى : – وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا – الأحزاب : 58 – وقال تعالى : – وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً – الحجرات : 12 وقال تعالى : – وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ – المائدة : 2 وقال صلى الله عليه وسلم : – يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ ؛ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ ، لاَ تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ ، وَلاَ تُعَيِّرُوهُمْ ، وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ ؛ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ ؛ قَالَ : وَنَظَرَ ابْنُ عُمَرَ يَوْمًا إِلَى البَيْتِ أَوْ إِلَى الكَعْبَةِ ، فَقَالَ : مَا أَعْظَمَكِ ، وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ ، وَالمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللهِ مِنْكِ – رواه الترمذي في سننه ، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم 3079 .

إخواني الفضلاء : تنبهوا من الأخبار المكذوبة ، والمقاطع المفبركة ؛ والتي تنقلها مواقع التواصل الاجتماعي عن أشخاصٍ لهم شأنٌ في المجتمع كولاة الأمر ، والعلماء ، والمسؤولين ، وغيرهم ممن نفع الله بهم ، وبأعمالهم ، والتي يقصد من وراءها تشويه صور أصحابها ، وإشاعة الباطل عنهم ، وإثارة البلبلة ، وزعزعة الثقة عنهم ؛ كيف وقد قال الله تعالى : ] يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ – الحجرات : 6 وقال تعالى : – إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ – النور : 15 وقال صلى الله عليه وسلـم : – كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سمع – رَوَاهُ مُسلم ؛ نسأل الله أن يديم علينا نعمه الظاهرة والباطنة ، وأن يوزعنا ذكرها وشكرها ، ومنها نعمة الجوالات والحاسوبات ، وما فيها من برامج ؛ وتقنيات نافعةٍ ؛ لخدمة الدين ، ثمَّ المليك ، والوطن .

وأخيراً يا إخوة : نحمد الله على ديننا الإسلامي العظيم ؛ الذي أباح لنا ما هو حسن ومفيدٌ ، ونهانا عن كلِّ ما فيه شرٌّ ، وقبيح ؛ يضر بديننا ، ودنيانا ، وآخرتنا ، ومنها مواقع التواصل الاجتماعي ، والذكاء الاصطناعي ، وغيرها من وسائل التواصل والنشر ؛ فإن أعانت على خيرٍ ، فما أحسنه ، وإن أعانت على شرٍّ وبلاءٍ ، فما أسوأه ، وأقبحه ، ونسأل الله أن يجعل هذه الوسائل عوناً لنا على ذكر ربنا ، وطاعته ، وألا يجعل هذه التقنيات سبباً لمعصية ربنا ، والبعد عن طاعته ؛ اللهم آمين .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬