مقالات

بطاقة الدم

بقلم الكاتبة: رجاء الطويل

بقلم الكاتبة: رجاء الطويل

بينما كانت القذائف تمزق سكون الليل الهادئ وترسم في السماء خطوط الموت فوق رؤوس المدنيين،سقط هو من تلك السماء نفسها جسداً مرتجفاً معلقاً بمظلة يهبط نحو الأرض التي كان يحرقها قبل دقائق.

جندي خائف مذعور وقد يكون مصاب يحمل في جيبه قطعة من القماش أو الورق كتب عليها بلغة أهل الأرض المنكوبة سقطت طائرتي،ساعدوني،وستكافئكم حكومتي.

مدني بسيط يقف وسط أنقاض بيته يري الجندي الطيار الذي ربما قتل جاره، أو روع أطفاله،وهو يمد يده ببطاقة تطلب الحماية.

ويا لكم المشاعر المختلطة المتضاربة في صدر المدني،عاصفة من الغضب والرغبة في الإنتقام.

موجه من الدهشة كيف لهذا العدو المتعالي أن يصبح فجأة ضعيف يحتاج للرعاية والحماية،صراع يقع في صدره بين قيمة الإنسانية ورغبته في رد الصاع صاعين.

ثم هذه المكافأة هل هي ثمن الخوف ام الفقد

هو هنا ليس أمام وثيقة عسكرية إنه أمام حقيقتة الإنسانية التي تكشف معدنه، انه في مواجهة إنسان أعزل ضعيف خائف كما كان هو قبل قليل

لامكان للرتب العسكرية

إنسان في مواجهة إنسان

البطاقة تعد بمكافأة مالية ولكنها ليست التعويذة السحرية لحماية الطيار ما يحميه هي الإنسانية في أعماق الضحية التي غلبت وحشية الحرب ومنحت الحياة لمن كان يوزع الموت.

وفي واحدة من أكثر القصص إلهاماً خلال الحرب العالمية الثانية بعد غارة دوليتل الشهيرة علي اليابان نفذ الوقود من طائرات جيمي دولتيل وطاقمه مما اضطرّهم إلى القفز بالمظلات فوق الأراضي الصينية المحتلة من الجيش الياباني هبط هؤلاء الطيارون وسط قري فقيرة منكوبة حاملين بطاقاتهم المدون عليها أنا أمريكي أرجوكم احموني المفارقة أن المدنيين خاطروا بحياتهم وحياة عائلاتهم وبفضلهم تم أنقاذ معظم الطيارين علي الرغم انه في تلك الفترة كان اليابانيون يقتلون ويعذبون قرى كاملة إذا اكتشفوا أنهم آووا طياراً أمريكياً

ماهي هذه البطاقة..انها بطاقة الدم

بدأت بطاقة الدم كرسالة ورقية بسيطة استخدمها البريطانيون في الهند وكانت مطبوعة بأربع لغات محلية وتحمل وعود مالية،ثم تحولت المادة من الورق إلي الحرير والنايلون كي لا تتمزق أو تبلى وفي أعلاها ظهر علم الدولة الأمريكي أو البريطاني وأضيف لها بعض اللغات مثل الصينية والفرنسية،ثم تعددت اللغات لتصل إلى أربعة عشر لغة واستخدمت خامات متينة كالجلد والحرير لضمان بقائها في أقسى الظروف،ثم وضعوا أرقام تسلسلية لكل بطاقة لمعرفة هوية المنقذ لاحقاً لمكافئته.

البطاقات الحديثة الآن تصنع من مادة تيفيك تشبه الورق لكنها مقاومة للماء وغير قابلة للتمزق واشتملت علي مايصل إلى خمسين لغة ولهجة منها العربية والإيرانية

سبق وذكرنا أن بطاقة الدم تحوي وعد مالي وهو نظام عسكري وقانوني دقيق تلتزم به الدول حتي بعد مرور عقود علي إنهاء النزاعات ويكون عبر رقم تسلسلي يحتفظ به المنقذ كأن يحتفظ بالبطاقه أو يقتص جزء منها يحتوي رقما يكون هو المفتاح لصرف المكافأة وتتم مطابقته في السجلات العسكرية .

وبعد استقرار الأوضاع ترسل الجيوش لجان مطالبات رسمية الي المناطق المعنية لمقابلة الأشخاص والتأكد من صدق روايتهم.

وقيمة المكافئات قديماً كانت تترواح بين خمسين الي مئتين دولار أو ما يعادلها ذهب أو مكافئات عينيه

وحديثاً أصبحت مبالغ ضخمة تصل إلى خمس مئة ألف دولار في حالات خاصة كإنقاذ طاقم طائرة في أماكن شديدة الخطورة ولا يسقط هذا الإلتزام المادي بالتقادم

والقصة الأبرز لمدني من كوريا الشمالية يو هون تشون حيث صرفت له المكافأة بعد ثلاث وأربعون عاماً وقدرها

100,000

في الختام تبقى بطاقة الدم أكثر من وثيقة عسكرية إنها اعتراف صامت بأن السلاح مهما بلغت سطوته وجبروته يحتاج إلى لمسة رحمة من يد أعزل لحظة استثنائية تسقط فيها رتب الجيوش ولغات الحرب ولكنها تنهض بالمشاعر الإنسانية النبيلة نحن لانقف فقط أمام عدو عاري من قوته بل نقف أمام أنفسنا لنعرف ونحدد في هذه اللحظه من نكون لو اتيحت لنا الفرصة وأصبحنا نملك الخيار .

 

المصادر

Air and space forces magazine

Cbi theater (http://theater.com/). (http://theater.com/)com (http://theater.com/)

Www.Usmcpress.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
💬