مقالات

الكمال المؤجل: قراءة وجودية في قصيدة “الحياة لا تأتي كاملة”  

بقلم : د. آمال بوحرب ـ تونس 

بقلم : د. آمال بوحرب ـ تونس 

ينشغل مفهوم الكمال في الفلسفة بوصفه أفقًا مفارقًا للتجربة الإنسانية منذ أفلاطون الذي ربطه بعالم المثل أي بالصورة النموذجية المتعالية على النقص والتغيّر. ومع الفلسفة الوجودية يغدو الكمال فكرة إشكالية لأن الإنسان يُفهم بوصفه كائنًا في صيرورة دائمة محكومًا بالزمن ومفتوحًا على النقص بوصفه شرطًا للوعي

. ومن هنا يتحول الكمال من صورة مكتملة إلى توتر دائم بين ما يُراد وما يُعاش وبين المثال والواقع وبين الرغبة والتحقق. وفي هذا الأفق يلتقي الفكر الفلسفي بالشعر لأن الشعر هو المجال الذي يكشف فيه الإنسان هشاشته ويعيد عبر الصورة واللغة تشكيل ما يتعذر القبض عليه في صيغة نهائية. فاللغة الشعرية تنحاز إلى الشقوق إلى ما يتسرّب من بين الأصابع إلى ما يظل مفتوحًا على التأويل ولذلك تصبح القصيدة فضاءً تتجلى فيه الحقيقة في شكلها المتشظي لا في صورة نهائية صلبة.

ومن هذا المنطلق تدخل قصيدة “الحياة لا تأتي كاملة” بوصفها كتابة واعية بهذا الإرث الفلسفي إذ تعلن منذ البدء أن النقص هو الحقيقة الأولى التي ينطلق منها النص وأن الوجود نفسه يُعاش بوصفه تجربة في التشكّل المستمر.

تؤسس الشاعرة لهذه الرؤية عبر العبارة الافتتاحية نفسها “الحياة لا تأتي كاملة” وهي عبارة تحمل في بنيتها الفلسفية إعلانًا وجوديًا شاملًا لأن الحياة هنا لا تظهر كمعطى جاهز بل كمسار مفتوح وكوضع إنساني يختبر التمزق منذ لحظته الأولى.

هذه الجملة تعيد تشكيل الواقع بوصفه سؤالًا مبتورًا وكسرًا أوليًا يدخل اللغة نفسها في مأزقها الخاص. فالحياة تتجلى في النص في صورة كسرة تتآتى في فم اللغة أي في شكل دالّ على أن التعبير الإنساني يولد من خلل أصلي. وهنا تتأكد الصلة بين التجربة الشعرية والتفكير الفلسفي لأن كل ما في النص ينطلق من فكرة أن الإنسان لا يملك اكتماله وأن ما يسميه حياة هو في جوهره عمل ناقص يتكوّن في الزمن ويتغير مع الزمن ويظل دائمًا أكثر اتساعًا من القدرة على احتوائه.

ومن هذا المنطلق تأتي الإشارة إلى “في قلب الهمزة” بوصفها صورة تأسيسية شديدة العمق لأن الهمزة ليست مجرد حرف في بنية القصيدة وإنما علامة على البداية المشروخة وعلى الانطلاق من نقطة تتضمن الانقطاع في أصلها. الهمزة في العربية تحمل معنى القطع والبدء معًا ولذلك فهي توحي بأن الوجود نفسه يبدأ من فجوة وأن البدايات الكبرى في الإنسان والعالم تنبع من ارتجاج داخلي لا من سكينة مكتملة.

ثم تأتي صورة “الارتباك الذي يتعلم المشي” لتجعل من القلق ذاته كائنًا حيًا ينمو ويتكوّن وكأن الشاعرة تقول إن الارتباك ليس حالة عابرة يتم تجاوزها وإنما قوة داخلية تلازم تشكّل الوعي. وهنا يلتقي النص مع التصور الوجودي عند سارتر حيث يولد الإنسان وهو مفتوح على الحرية والمسؤولية ثم يصنع نفسه عبر اختياراته وارتباكاته ومواجهته للمجهول. كما يلتقي مع هايدغر في أن الوجود الإنساني انكشاف متواصل داخل الزمن وأن الكينونة دائمًا في طريقها إلى نفسها في حركة لا تتوقف عند صورة نهائية.

تظهر البنية الوجودية في القصيدة بوصفها وعيًا حادًا بتشظي الكائن داخل الزمن. فقول الشاعرة “خرجت من الوقت دون أن أسمع ساعتي” يشير إلى لحظة انفصال الإنسان عن الزمن الخارجي الموضوعي ودخوله في زمن داخلي آخر أقرب إلى ما يسميه برغسون بالمدة أي الزمن الشعوري الذي يُعاش كتدفق داخلي تتداخل فيه اللحظة بالذكرى والحاضر بالانتظار والوعي بالقلق.

هذه العبارة تكشف أن الإنسان في القصيدة لا يقيم في الزمن كما تقيم الأشياء وإنما يعي زمنه من الداخل ولذلك يشعر أنه يخرج منه أحيانًا أو أن الساعة تفلت من يده أو أن اللحظة تسبقه ثم تتلاشى. ومن هنا يصبح الزمن في النص زمنًا مأزومًا بوصفه تعاقبًا رتيبًا وبوصفه مجالًا لتجربة الوجود نفسه.

إن اليوم في القصيدة يتحرك من “فجر اليوم” إلى “المغرب” ثم إلى “المساء” لكن هذا التدرج الزمني لا يؤسس استقرارًا وإنما يضاعف الإحساس بأن الذات تعيش دورة كاملة من الانكشاف والإنهاك. ولذلك فإن القصيدة تضع الزمن في صميم سؤال الكينونة بحيث يغدو الصباح والمساء صورتين لحركة الوعي نفسه بين الانبثاق والأفول. وهذا ما يجعل النص قريبًا من الرؤية الوجودية التي ترى الإنسان كائنًا محكومًا بالزمن ومفتوحًا على القلق لأن الزمن نفسه لا يمنحه مقامًا ثابتًا.

أما البنية النفسية فتتجلى في الطريقة التي تعيد بها القصيدة بناء الداخل الإنساني بوصفه مساحة اهتزاز دائم بوصفه مركزًا منسجمًا. فالشاعرة تقول “العين حين ترتعش ترى وتتذكر” وهذه العبارة تنقلنا من فعل الرؤية بوصفه إدراكًا مباشرًا إلى فعل الرؤية بوصفه استعادة داخلية. العين هنا تنقل العالم عبر هزة الذاكرة ولذلك ترى وهي تتذكر وتستقبل وهي تستعيد وتعي وهي تستحضر ما غاب. وهذه البنية النفسية تحيل إلى أن الذات تواجه الواقع عبر آثاره في النفس وعبر ما يتركه في الداخل من رجع وانطباع.

كما أن صورة “الومضة” التي تُدرك في تعبها لا في إشراقها تشير إلى أن الوعي النفسي في القصيدة وعي مرهف يلتقط اللحظة في انطفائها ويشعر بالحقيقة وهي في طور الزوال. وهذه الحساسية النفسية تجعل القصيدة أقرب إلى سرد داخلي للانكسار حيث تتجاور الرغبة في الفهم مع خبرة الإنهاك ويتجاور إدراك الجمال مع الإحساس بفواته. ومن هذا المنظور يمكن القول إن القصيدة تجسد ذاتًا قلقة تراقب العالم من داخل ارتعاشها وتعيد صياغة علاقتها بالوجود عبر ذاكرة مشدودة إلى الأثر.

ويتعزز هذا البعد النفسي من خلال الصور التي تصوغ الهشاشة بوصفها مكونًا من مكونات التجربة. فـ“معطف أمل مثقوب” يقدم الأمل كغطاء هشّ قابل للتسرّب وكأن الرجاء ذاته يحمل قابلية للتبدد. هذه الصورة النفسية عميقة لأنها تنقل الأمل من حالته المجردة إلى هيئة ملموسة وتظهر أن النفس تتكئ على غطاء يتهدده الانكشاف.

أما عبارة “الخبز يتخمّر في بيت يصغي لرائحة الحرف” فتضعنا أمام صورة متصالحة بين اليومي والرمزي وبين الجسد واللغة وبين الحاجة المادية والحس الجمالي. فالبيت هنا يصغي أي يمتلك حسًّا مرهفًا يتجاوز مجرد الوظيفة ولذلك يتشكل فيه الخبز كعلامة على الحياة اليومية بينما يظل الحرف حاضرًا بوصفه إيحاء بأن المعنى يتخمّر كما يتخمّر الخبز.

وهذه العلاقة بين الطعام واللغة وبين الضرورة والشعر تكشف عن بعد نفسي مركب فيه تتحول أبسط الأشياء إلى حاملات للمعنى ويصبح الوجود اليومي مادة قابلة للتأويل.

ويتعمق التشظي في النص بوصفه البنية التي تنظم علاقات الصور والمشاهد والدلالات. فالعالم الشعري لا يقوم على اكتمال متماسك وإنما على شذرات تتجاور وتتكامل عبر التوتر مثل “معطف أمل مثقوب” و“الخبز يتخمّر في بيت يصغي لرائحة الحرف” و“هدية مؤقتة لأيدي الرحيل”.

هذه الصور لا تؤلف سردًا تقليديًا وإنما تؤسس لفضاء شعري يتشكل من الانقسام بين الداخل والخارج وبين الحضور والغياب وبين الانكشاف والاحتجاب. ومن هنا يصبح التشظي مبدأً بنائيًا لأن النص ينمو عبر التقطيع وعبر الانتقال من صورة إلى أخرى ومن حالة إلى أخرى مع منح القارئ حركة تأمل متواصلة. كذلك تتكرر الثنائيات في القصيدة بطريقة تكشف التمزق الداخلي الفجر والمغرب الصباح والمساء الرؤية والتذكر الأمل والخرق التودد والبكاء الإقامة والرحيل

. وهذه الثنائيات تعمل بوصفها علامات على أن الذات لا تملك مركزًا واحدًا وإنما تعيش بين جهتين وتبني معناها من المسافة بينهما. ومن ثم فإن التشظي في القصيدة يتحول إلى جماليات كاملة لأن المعنى يتولد من التصدع والذات تتشكل من انقسامها واللغة تكتسب توترها من قدرتها على حمل هذا الانقسام.

وفي البعد العاطفي يتخذ التشظي صورة أكثر رهافة حين تسأل القصيدة “هل للتودد طفل؟” ثم تجيب “بقماط يبكي بصوت”. هنا يتحول التودد إلى كائن رمزي يولد داخل العلاقة لكنه يولد محاطًا بالاحتياج والحماية والضعف

. إن السؤال نفسه يفتح أفقًا عاطفيًا خاصًا لأنه يجعل من التودد أمًّا لوليد هش ثم يأتي الجواب ليمنح هذا الوليد قماطًا وصوتًا أي ليعترف بحاجته إلى الرعاية وإلى التعبير. وهذه الصورة تظهر أن العاطفة في القصيدة تجربة قابلة للجرح والارتعاش وأن الحب أو التودد أو الشغف يقدَّم هنا باعتباره خبرة تتطلب احتضانًا مستمرًا.

ومن هنا نفهم عبارة “ليت الأنا تتعرّى من لياقة التودد” بوصفها دعوة إلى كشف الذات من قشرتها الاجتماعية لأن اللياقة قد تتحول إلى قناع يخفي هشاشة الداخل بينما التعرّي يكشف حقيقة النفس في عريها. كما نفهم عبارة “ليت للشغف قلبًا آخر” بوصفها توقًا إلى خفة الوجود لأن القلب الواحد قد يثقل بحمولة الرغبة والخوف معًا فيتمنى الشغف قلبًا آخر أكثر قدرة على الاحتمال.

أما الخاتمة “نحن هدية مؤقتة لأيدي الرحيل” فتضع التجربة كلها داخل أفق زمني وجمالي واحد لأن الإنسان يصبح هدية عابرة جميلة في لحظتها ومحكومة بالزوال ويغدو الرحيل نفسه جزءًا من معنى الحضور.

ومن زاوية أخرى يمكن القول إن القصيدة تلتقي مع عدد من المقاربات الفلسفية والأدبية التي ترى الإنسان كائنًا مفتوحًا على النقص. فهي وجودية من جهة أولى لأنها تجعل الذات في مواجهة سؤال المعنى والزمن والمصير. وهي نفسية من جهة ثانية لأنها تصوغ الداخل بوصفه مساحة اهتزاز واستعادة وانكسار. وهي زمانية من جهة ثالثة لأنها تبني الحركة داخل القصيدة على توتر بين الفجر والمساء وبين الانطلاق والانطفاء وتحوّل الزمن إلى مرآة للوعي. وهي مكانية من جهة رابعة لأنها لا تبني مكانًا واقعيًا ثابتًا وإنما فضاءات رمزية مثل “قلب الهمزة” و“بيت يصغي لرائحة الحرف” و“أيدي الرحيل” وهذه كلها أماكن دلالية تحمل معنى الانتماء والانفصال في آن واحد. وهي أيضًا جمالية من جهة خامسة لأنها تحوّل العجز إلى لغة والتشظي إلى بناء فني والاضطراب إلى صورة قابلة للتأمل.

وإذا وسعنا الدائرة أكثر أمكننا أن نرى في النص صدى لما طرحه الحكيم في مسرحه من أسئلة عن الزمن والوعي والإنسان وصدى لما أشار إليه برغسون من انسياب الزمن الداخلي وصدى لما قرره هايدغر من أن الكينونة البشرية كينونة منفتحة على القلق وصدى لما رآه سارتر من أن الحرية والوعي يولدان في منطقة التوتر وصدى لما تمنحه القصيدة نفسها من حساسية تجعل الحياة مجالًا مفتوحًا للتأويل.

وهكذا تنجح القصيدة في تحويل فكرة النقص من معنى سلبي إلى مبدأ جمالي وفلسفي لأنها تكشف أن عدم اكتمال الحياة هو ما يجعلها قابلة لأن تُعاش وتُكتب وتُتأمل. فالنقص هنا يظهر بوصفه شرطًا للإبداع ومصدرًا للوعي وفضاءً للبحث عن المعنى. ومن هنا تنشأ قوة النص من قدرته على جعل الوجود نفسه سؤالًا شعريًا مفتوحًا وعلى تحويل العجز إلى معرفة والتشظي إلى لغة والرحيل إلى معنى.

ولكن هل تشفي القصيدة جراحنا وإلى اي درجة تمنحها اسمًا أعمقا

نص القصيدة

الحياةُ لا تأتي كاملةً .

فِي قلبِ الهمزةِ

لا شيءَ ثابتٌ بما يكفي

سوىٰ هٰذا الارتباكِ الّذِي يتعلمُ المشيَ .

الحياةُ لا تأتي كاملةً ،

تدخلُ كسؤالٍ مبتورٍ

كسرةٍ تتآتىٰ فِي فمِ اللّغةِ ،

وَتدّعي أنها تعرفُ الطريقَ .

ألمحُ الومضةَ

لا وَهي تضيءُ ،

بل وَهي تتعبُ من الجري ،

كأنها تبحثُ عني

بعد أن سبقتُ نفسي ،

وَخرجتُ من الوقتِ

من دونِ أن أسمعَ ساعتي .

العينُ حين ترتعشُ

لا ترىٰ ،

بل تتذكّرُ

هُناكَ .. ،

حيث يتركُ العصفُ هديرَهُ وحيدًا ،

كانت الضحىٰ تتسلّلُ

مثلَ سرقةٍ صغيرةٍ

إِلىٰ معطفِ أملٍ مثقوبٍ ،

يشتعلُ أحيانًا بصيغةِ الجمعِ ،

وَينطفئُ كُلّما تخمّرَ الخبزُ

فِي بيتٍ

لا يصغي لرائحةِ الحرفِ .

وَعندَ المساءِ

أنامُ مبكّرًا

فِي أوّلِ جمرةٍ خائفةٍ ،

أضعُ رأسي عَلىٰ تعبِها

وَأرجو أن تتعلّمَ الثباتَ .

أنسىٰ كيف كنتُ

أسايرُ القصيدةَ

حين كانت تركضُ ،

وَحين كانت تسقطُ

وَلا تعتذرُ .

ليتَ القلبَ

شيءٌ يمكنُ لفّهُ

سيجارةً تفقدُ معناها

كُلّما طالَ احتراقُها

فِي كفِّ الحريةِ .

ليتَ لهُ نهايةً واضحةً ،

دخانًا … ،

أَو صمتًا .

أسمعُها تسألُ :

هل للتوددِ طفلٌ ؟

أفكّرُ :

نعم ،

لكنهُ بلا قماطٍ ،

يبكي من دونِ صوتٍ ،

وَيتعلّقُ برقبةِ الشوقِ

كما يتعلّقُ الخطأُ

بجملةٍ مفيدةٍ .

هٰذهِ الومضةُ …

ليست ضوءًا ،

هي حبّةٌ تتلوّىٰ

فِي فمِ الذاكرةِ ،

تبحثُ عن وجهٍ

لا يخونُ انعكاسَهُ ،

عن مرآةٍ

لا توقظُ شاعرًا نائمًا

فِي حنجرةِ أُغنيةٍ قديمةٍ

تقولُ :

اصبرْ … ،

وَكأنَّ الصبرَ

كانَ يومًا حلًّا .

ليتَ الأنا

تتعرّىٰ من لياقةِ التوددِ ،

من هٰذهِ الأخلاقِ

الّتِي تعيدُ الأسئلةَ إِلىٰ الحياةِ

بعد أن دُفنت مبكّرًا .

ليتَ للشغفِ

قلبًا آخرَ ،

أخفُّ ،

لا يتنبّأُ بالفرحِ ،

وَلا يخافُ موتَهُ .

روحٌ .. ،

كبردِ شمسٍ مترددةٍ ،

تدورُ مع الرملِ

لا لتغويهِ ،

بل لتقولَ لهُ :

لسنا هنا لنبقىٰ ،

نحنُ فقط

هديّةٌ مؤقتةٌ

لأيدي الرحيلِ .

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
💬