إني لكما لمن الناصحين

بقلم الكاتبه : رجاء الطويل
وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين
بهذه الكلمات التي تقطر حناناً وحرصاً بدأت أولى عمليات الخداع الكبرى.
إبليس لم يأت إلى آدم وحواء في صورة محارب مسلح ولم يهددهما بالوعيد والتنكيل بل تسلل إليهما من باب الرغبة في الخلود والكمال، مرتدياً هذه المرة وشاح الناصح الأمين.
هذه الآيه القرآنية كشفت عن حقيقة إنسانية غالباً ماتغيب عن الأذهان.
وهي أن النصيحة أحياناً لا يُرجى من ورائها خير،بل قد تكون آداة تدمير مغلفة بالحرير،ونوع من أنواع السُلطة النفسية،فالناصح -وعياً منه أو بدون وعي-يضع نفسه في مرتبة أعلي من المنصوح،مدعياً إمتلاكه لبصيرة يفتقدها الآخر،حين يعرض عليه نصيحة تتماشى مع رغباته أو توافق مخاوفه،عازفاً على وتر ضعف النفس البشرية.
تماماً كما حدث مع آدم عليه السلام حين عُرض عليه
ملك لا يبلى.
فكانت النصيحة هنا غواية مستغلة الضعف الفطريّ للإنسان.
هذا التداخل بين اظهار الحرص وإضمار الهلاك يظهر بوضوح في قصة إخوة يوسف، حيث لم يواجهوا أباهم بما في صدورهم من حسد و غيرة، بل قدموا له نصيحة ظاهرها الشفقة على أخيهم الصغير، والرغبة في الترفيه عنه،مع وعد برعايته والمحافظة عليه.
ارسله معنا غداً يرتع ويلعب وإنا له لحافظون
وباطنها نية لإلقائه في غيابات الجب.
طمأنينة زائفة بثها كلام الناصحين في أذن الأب، فتردد صداها في قلبه،فأرسله معهم حباً به.وهو لا يعلم انه يورده مورد الهلاك والفراق.
وتعدت هذه الآيه حدود العلاقات الأسرية وشملت البنية الإجتماعية والوجاهة القبلية.
ففي السيرة النبوية تجسيد لهذا الضغط المغلف بالنصيحة
وهي اللحظات الاخيرة في حياة أبي طالب وهو على فراش الموت حيث دعاه النبي عليه الصلاة والسلام لقول كلمة التوحيد،لم يواجهه أبو جهل بالتهديد بل همس بنصيحة قومية بدت في الظاهر قمة الوفاء والشرف،
أترغب عن ملة عبد المطلب
ولم يزل يكررها حتي كانت كلماته الأخيرة
أنا علي ملة عبد المطلب
ومات علي الشرك من أجل الحفاظ علي وجاهة إجتماعية زائفة وزائلة.
هذا الإغواء المغلف بالنصح امتد كذلك لكتب الأدب وخرج علينا بقصة (حصان طروادة).
وهي تجسيد لانتحار الوعي الجمعي أمام النصائح المفخخة .
عندما ترك الإغريق ذلك الحصان الخشبي وتظاهروا بالإنسحاب .
تركوه كهدية ونصيحة دينية ليبارك مدينتهم .
وباطنه تهديد فتحوا أمامه أسوارهم ليُدخلوا الدمار إلي عقر دارهم،وكان في أحشائه سبب فنائهم.
هذه الظاهرة تفرض علينا التساؤل عن كيفية النجاة من شباك الناصحين الزائفين؟
اولا النصيحة الصادقة في جوهرها تترك لك حرية الإختيار
أما النصيحة السامة تمارس عليك ابتزاز عاطفي،وقد تأتي في توقيت مريب ،كأن تأتي في لحظة انجاز لتثبط العزيمة أو تزرع الشك في صحة القرار.
ثانياً عندما يصر الناصح انه أعلم بمصلحتك،وأنك عاجز عن رؤية ما فيه الخير لك بدونه،فإنه يسلبك ثقتك بنفسك وقدرتك علي اتخاذ أي قرار بدون نُصحه وارشاده.
ثالثاً دورك لتسأل نفسك هل للناصح أي مصلحة مخفية من وراء هذه النصيحة؟
إلا إنه رغم ما يعج به العالم من الناصحين المزيفين لاينبغي أن تغلق الباب أمام بعض النصائح المُحبة الصادقة
ولا تعني كذلك أن تفتح اسوار قلبك لحصان طروادة وتبيع مالديك من أجل نصيحة وهمية بملك لا يبلى .
بل تعني أن تستطيع التميز بين الماس الحقيقي والزجاج الزائف مهما كان لامعاً متوهجاً.
وفي الخاتم أجبني
كم مرة فتحت أبواب حياتك لحصان طروادة مغلف بالحب والإهتمام؟؟؟
*سورة الأعراف الآيه 21
**سورة يوسف الآيه 12




