الذين يغادروننا ولا يرحلون

بقلم الكاتبة : فاطمة عواجي
هناك أشخاص لا تنتهي حكايتهم بمجرد أن يغيبوا، لأنهم لم يكونوا يومًا مجرد أسماء عابرة في حياتنا؛ كانوا تفاصيل صغيرة كبرت فينا بصمت، حتى أصبح حضورهم جزءًا من إيقاع أيامنا. نعرف صوتهم من بين ألف صوت، ونحفظ ضحكتهم دون أن نقصد، ونلتفت إلى الهاتف في أوقات اعتدنا رسائلهم فيها، وكأن القلب لم تصله بعدُ أخبار الرحيل.
أصعب أنواع الفقد ليس أن يختفي إنسان من أمام عينيك، بل أن يبقى حاضرًا في كل شيء وهو غائب. أن تمر بمكان فتتذكر كيف كان يقف هناك، أن تسمع جملة فتعود بك الذاكرة إلى حديث قديم، أن يحدث لك أمر جميل فتبحث عنه غريزيًا لتخبره، ثم تتذكر فجأة أن المسافة بينكما أصبحت أكبر من رسالة.
نحن لا نتعلق بالأشخاص وحدهم، بل بالحياة التي كنا نعيشها معهم. نتعلق بنسختنا التي كانت تضحك أكثر في وجودهم، وبالأمان الذي شعرنا به، وبالحديث الذي كان يخفف ثقل يوم كامل، وبالتفاصيل التي لم نكن نعرف قيمتها إلا بعدما أصبحت ذكريات.
ولهذا يبدو النسيان أحيانًا طلبًا قاسيًا جدًا.
كيف تطلب من قلب أن ينسى شخصًا كان يلجأ إليه كلما ضاقت الدنيا؟ كيف تقنعه أن الصوت الذي كان يطمئنه أصبح من الماضي؟ وكيف تمحو من الذاكرة مواقف لم تكن مجرد أحداث، بل كانت حياة كاملة عشناها بكل إحساسنا؟
الناس من حولنا يرون الغياب، أما نحن فنعيش ما خلّفه الغياب.
يرون أننا عدنا إلى أعمالنا، نخرج، نبتسم، نرد على الرسائل، نجلس مع الآخرين ونبدو بخير؛ ولا أحد يعرف كم مرة مرّ اسم ذلك الشخص في داخلنا أثناء يوم عادي، وكم مرة قاومنا رغبة الحديث إليه، وكم مرة ابتسمنا أمام الجميع بينما كانت ذكرى واحدة في أعماقنا تقلب كل شيء.
هناك فراق يحدث مرة واحدة، لكن القلب يعيده عشرات المرات.
يفارق الإنسان من يحب يوم ينتهي اللقاء، ثم يفارقه مرة أخرى عندما يأتي موعد كانا يلتقيان فيه، ويفارقه عندما يزور مكانًا جمعهما، ويفارقه عندما يسمع أغنية، أو يشم عطرًا، أو يرى صورة، أو يمر بتاريخ يعرفه جيدًا. وكل مرة يكتشف أن الرحيل ليس لحظة واحدة، بل سلسلة طويلة من الوداعات الصغيرة.
ومع الأيام يبدأ شيء غريب بالحدوث.
لا ننسى، لكننا نتعلم.
نتعلم كيف نمر بجانب الأماكن دون أن نتوقف طويلًا، وكيف تأتي الذكرى دون أن تهزم يومنا كله، وكيف نحمل بعض الأشخاص داخلنا دون أن نبحث عنهم في الخارج. يصبح الألم أقل ضجيجًا، وتتحول الدموع إلى تنهيدة، وتتحول الأسئلة الكثيرة إلى قبول هادئ بأن بعض الحكايات لم تُخلق لكي تستمر، لكنها خُلقت لكي تترك أثرًا لا يُنسى.
والحقيقة أن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى محو من أحب حتى يتعافى.
بعض الناس يستحقون أن تبقى لهم زاوية جميلة في الذاكرة دون أن نظل أسرى لها. يمكننا أن نعترف بأننا أحببناهم بصدق، وأن غيابهم أوجعنا، وأننا افتقدناهم كثيرًا، ثم نواصل الطريق. فالوفاء للماضي لا يعني أن نهدر حاضرنا في انتظاره.
أحيانًا يكون أعظم أشكال الحب أن نترك ما انتهى ينتهي بسلام.
لا نسيء لمن أحببناه حتى نقنع أنفسنا أننا تجاوزناه، ولا نفتش عن عيوبه كي نكره الأيام التي جمعتنا به، ولا نمحو جمال الحكاية فقط لأن نهايتها أوجعتنا. بعض النهايات المؤلمة لا تجعل البدايات كاذبة، وبعض الأشخاص كانوا جميلين فعلًا في مرحلة من حياتنا، حتى لو لم يُكتب لهم البقاء.
سيأتي يوم تتذكر فيه ذلك الشخص دون أن تشعر أن قلبك ينهار.
ستتذكره وتبتسم ربما، ثم تكمل يومك. ستفهم أن ما كنت تظنه موتًا كان عبورًا قاسيًا إلى نسخة أكثر نضجًا منك. وستعرف أن القلب، رغم هشاشته العجيبة، يملك قدرة مذهلة على النجاة.
ومع ذلك ستظل هناك أسماء مختلفة عن بقية الأسماء.
أسماء إذا مرت أمامنا صمتنا قليلًا.
وأماكن إذا دخلناها بحثت أعيننا عن أشخاص نعرف أنهم لن يكونوا هناك.
وأوقات من الليل يعود فيها كل شيء واضحًا بصورة مؤلمة: الصوت، الضحكة، الحوار الأخير، تفاصيل لم ينتبه إليها أحد غير القلب.
وهنا نفهم أن بعض البشر لا يرحلون بالكامل.
إنهم يتحولون من حضور نراه إلى أثر نحمله.
نعيش بعدهم، نعم. نضحك بعدهم، وننجح، ونحب الحياة من جديد، وربما نلتقي بأشخاص آخرين ونصنع ذكريات مختلفة، لكن جزءًا صغيرًا في أعماقنا سيظل يعرف تمامًا أن شخصًا ما مر من هنا ذات يوم… وترك في القلب شيئًا لم يستطع الزمن أن يمحوه.
فبعض من نحب لا يصبحون مجرد ذكرى بعد الرحيل؛ يصبحون فصلًا كاملًا من أعمارنا، وكلما قلبت الأيام صفحاتنا مررنا بذلك الفصل بهدوء، قرأناه بقلوبنا، ثم أغلقناه برفق… لأن بعض الحكايات لا تحتاج إلى أن تعود كي تبقى جميلة، وبعض الأشخاص يكفي أنهم كانوا يومًا جزءًا من نبضنا.




